صَبَاحُكَ أَمَانَةٌ يَا زَيْدُ

single

كم هو صعب عليكَ أن تفقدَ شيئًا تحتاجُهُ، كتابًا أو محفظةً أو مِفتاحًا أو هُوِيَّةً أو مالا..، لكنَّ الأصعبَ من ذلك أن تفْقِدهُ وأنتَ طالبٌ تحتاجُ هذه الأشياء الحيويَّةَ والماسَّةَ في كلِّ حين، وتفقِدُ الأملَ، بعدها، خاصَّةً إنْ كانَ المفقودُ مالا أو بطاقةَ اعتمادٍ أو حتى ورقةً كتبتَ عليها بعض الملاحظاتِ لامتحانٍ ما..
وتبدأ تتخبَّطُ في تفكيرِكَ، وتُراجعُ ذاكِرَتَك، أينَ كنتَ؟ ومعْ من وقفتَ؟ وماذا فعلتَ في تلكَ اللحظة التي تظنُّ أنَّ ذلكَ الشَّيء كانَ معكَ؟ وتكبرُ الشُّكوكُ وتكثرُ الافتِراضات، وتتخبَّطُ في توقُّعاتِكَ خالِطًا في الشَّكِّ ما بينَ شعبان ورمضان أو بينَ عبَّاسٍ ودرباسٍ، وتضرب الحابلَ بالنَّابلِ أو تمسكُ بأنفِكَ لعلَّهُ يكشفُ لكَ حاجتَكَ المنْشُودَةَ، أو تعقِدُ مِنديلاً "صُرَّةً" وترميها، علَّها تسقطُ عندَ غرضِكَ، أو تقرأُ سورةَ الضُّحى أو ياسين وتُصَلِّي ركعتيْن، أو تتضرَّع إليه تعالى: "اللهم َّ يا رادَِّ الضَّالةِ رُدَّ إليَّ (عليَّ) ضالَّتي.." وآخر يطلبُ من القدِّيس أنطون "يا مار أنطون رُدِّلّي غرضي لهون".
وهذا الغرضُ المفقودُ يُسمَّى بِالُلقْطَة، لأنَّ اللقطةَ هي ما تجدُهُ مُلقًى فتلتقِطَهُ أو هو
 الشَّيءُ المتروكُ لا يُعرَفُ لهُ مالكٌ (كما جاء في المنجد).
لكنَّ تصرُّفَ الإنسانِ، الذي وجَدَ (الواجد) هذا الغرض/الحاجة، يختلفُ ويتفاوتُ بتصرُّفِهِ مع اللقطةِ باختلافِ تربيتِهِ وأخلاقِهِ وعُرفِهِ. فمنهم من يأخذها ويفتِّشها وكأنَّه يُنقِّب عن بترول ويسرِقُ "ما بحاجته منها" ويرمي الباقي في الحاوية أو يعيدها إلى مكانها بعد أن أفرغها من محتواها، أو يفتش عن هويَّة فيها أو أيِّ شيء يوصله بصاحب الغرض/الحاجة الضَّائعة. وإن اختار أن يعيد اللقطة إلى صاحبها فهذا يدلُّ على شهامةِ المرءِ ومروءته وجودِهِ وعزَّةِ نفسِهِ وأمانتِهِ وكرمِهِ ونُبلِهِ واستقامةِ أخلاقهِ وحُسن تربيته، حيث يقول الشَّاعر:
 "وإنَّما الأُمَمُ الأخْلاقُ ما بَقِيَتْ                    فَإنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلاقُهُم ذَهَبُوا"
عندما شاركتْ ابنتي صابرين ورفاقها من شَبيبةِ حيفا الشُّيوعيَّة في احتفالِ يومِ  الطِّفلِ العالميِّ في الفاتح من شهرِ حزيران الحالي في مدينة سخنين، فقدَتْ محفظتَها هناك وفُقد، كذلك، الأملُ في العثورِ عليها. لكنَّ هاتف السَّيِّد زيد سعيد صالح، من مركز الدَّوحة للأغذية، في المدينة، قطعَ حبلَ تخوُّفاتِها وشكوكِها، حين أعلمني أنَّه وجدها بجميع محتوياتها، ويسألني، كذلك، كيف الوصول إليَّ لإعادة "الأمانة/الوديعة"، لكنَّ ابنتي صابرين سَبَقَتْ صبرَها واستعادت محفظتها..وما جاء في حديثي عن الصِّفات والأخلاق الحميدة فهي صفاتك يا عزيزي زيد سعيد صالح، وشكرًا لك وكثَّر الله من أمثالك..
فصباحُ الأمانةِ، وصباحُ المروءةِ يا زيد، وإلى لقاء قريب و"لِسَّه الدُّنيا بخير".   

قد يهمّكم أيضا..
featured

قرار التقسيم- والخيارات الصعبة

featured

نعي الثقافة والسياسة في العالم العربي: ويكيليكس آل سعود (1-2)

featured

جنوب افريقيا تبدأ المقاطعة

featured

الانتخابات القادمة

featured

قدموا الأسنّة