مئات الآدميين تحلقوا حول أشرطة حمراء وبيضاء، مدت لتشكل حاجزاً يمنعهم من الاقتراب ودخول ما أمسى حلبة يتحرك عليها رجال الشرطة والإسعاف.
تسّمروا ككائنات هبطت من كوكب آخر. لا دموع من مآقيهم. وجوه جميعهم اصطبغت بذات اللون. لم يكن لونا مما ألفته العيون. لا حمرة ولا سواد ولا حتى صفرة الأسى. كان اللون لون الدهشة. هل تعرفون كيف يكون لون الدهشة؟.
كانوا في بيوتهم يمارسون طقوس ما قبل النوم. هرولوا، كما هم، إلى حيث أنبأهم الراوي، إلى المدخل الجنوبي لقرية كفرياسيف. هناك في شارع القرية الرئيسي تجلت حكمة الرب.
مركبة الريح يقودها من خُلق على صورة الله ومثاله. تهزأ وتعربد وتقضي وتزهق أرواحاً وتترك جثامين تعتني بها قوات الشرطة والأمن، تحافظ على حرماتها وتمنع أحداً من الاقتراب منها، أولم تكلف الشرطة بالحفاظ على سلامة وحرمة الإنسان منا؟.
الرب قضى والعبد أطاع ونفذ. ثلاثة عباد أنهوا احتفاء بليلة صيف عادية، ودَّعوا أترابهم ومن تواجد معهم في المطعم. تمّنوا للجميع أن يصبحوا على خير، أكملوا بضعة خطوات إلى أن داهمتهم مركبة النار وقذفت بهم إلى السماء.
قضاؤهم وقدرهم، يلهث المؤمن بحكمة رب العباد وعدله الأزلي، وكذلك يردد من في الخطيئة والمعاصي يرتع ويوغل.
إذاً، هناك إجماع آدمي على أنها ساعة قضي الأمر فيها، ما كان شيء ليسعف ويفيد، فهكذا كُتب على نزار وجوزفين ونسرين أن لا يعودوا في منتصف ذلك الليل إلى بيوتهم الدافئة ولا لأولادهم، الذين غدوا ضحايا لا ذنب لها، ولا لعملهم وعائلاتهم.
هكذا من باب الاستعزاء القاصر تتحول صيغة المجهول إلى الصيغة المهيمنة والسائدة. أنّى جلست وكيفما مررت تلتقط أذناك تلك الصيغة، فالأمر قُضي وهكذا كُتب.
لم تنم كفرياسيف ليلتها، ربما من وجع، ربما من قلق، ربما من خوف وربما من ندم. في هذه الليلة فقدت، كآلاف مثلي، القدرة على التفكير. كأن عقلي رحل، الصمت رسول العجز والحسرة. دموع تنهار من عيون باردة وتتوقف، لوحدها تنهار ولوحدها تنقطع. أحاول سدىً أن أعود إلى وعيي وتفكيري. كم كنت بحاجة إلى حزني، لا فائدة. صمت وعدم.
في ظهيرة اليوم التالي وعندما وصلت نعوش الضحايا، رفعت عالياً على أيدي المشيعين وكأني بهم يلفونها بندى الغمام. عندها بكيت وبكى من حضر من ألوف مشيّعة. كان الدمع حاراً والعيون محرقة، القلب مضطرب والعقل متقد، متعَب ومتعِب.
لا مفرٌ. كم حاول هذا الشقي أن يتحاذق حينما رحل؟ استعصى ولم يقبل ورفض أن يستوعب ما جرى، فغاب. وحدها، نعوش من عرفهم صغاراً حتى كبروا، تعيده ليشقى ويُشقى حامله.
الآن أعي. أستوعب الفاجعة والفقدان. العقل مشوّش يصارع عشرات التساؤلات والحسرات، كلها وَلْوَلات لا تحمل رداً ولا تطفئ جمرا. لَوْلَوات تمتمتُها، كما فعل غيري، وراء ثلاثة نعوش أبكت الآلاف، بعضهم عرفوا ساكنيها وآخرون لم يعرفوهم، لكنهم حضروا ليعلنوا أن الهم واحد وليكون حضورهم عزاءً لعائلات ثكلى ولبلدة دامية.
بعد دفن جثمان عزيز ومواراته الثرى، ينتابك شعور من راحة ما، هكذا يخيل لي، إنها ليست الراحة العادية، بل هي أقرب إلى اقتناع المرء منا بحقيقة الوفاة. استيعاب الغياب أو نوع من استسلام العاجز العائد واعياً إلى مرارة الواقع. عودة ذلك العقل الذي حاول أن يتمرّد مموهاً ترك صاحبه في لحظات لا تفكير، لحظات عدمية. إنها عودة لشقاء التساؤل وحيرة الأسئلة وإغواء الأماني.
آلاف المعزين قدموا إلى كفرياسيف. بحضورهم وبخطبهم وأدعيتهم عزّوا وعادوا من حيثما جاؤوا. لا أخطئ حين أفترض أن ما اعتراهم من أسى وتأس كان واحداً، وأنهم تخبّطوا وأنّوا تحت وابل الأسئلة والتساؤلات ذاتها. مثلهم أنا وغيري من أبناء قريتي، والفارق بيننا هو أننا سنستمر في العيش في بلدتنا التي أُنقِصت ثلاثة من أبنائها البررة، غُيّبوا وقضوا وهم في قمة عطائهم ونجاحهم. رحلوا وتركوا ثمارهم في هذه البلدة التي أحبوا.
سيكون من الصعب دمل الجرح، الذي فيه، لدى كثيرين منا، بعض من خبز وملح وبقايا ذكريات.
أقول الأمر قُضي وهم غُيّبوا وأنقصوا، وكأنني أصبت كغيري وأدمنت صيغة المجهول هذه، ألجأ إليها هارباً لأرتاح.
للحقيقة أقول أن القلب ما زال ينبض هناك على رصيف الموت، والعقل وإن عاد، ما زال مشوشاً والفكر سائح، فلا بأس إن اتكأت هنا على ذلك المجهول اللعين، لكنني وأنا أكتب اليوم، تعود بي الذاكرة إلى ما كتبته قبل أقل من عام عندما قُضي أمر طفلة لم يعرفها أحد منا، اسمها تال زينو، حينما صدمها سائق تراكتورون عابث وترك عائلتها تتأسى الثكل والغياب. حينها كتبت عن العابثين في شوارعنا والهازئين بحيواتهم وحيواتنا. حينها قلت: "وإن كنا نتحدث عن ظاهرة ركوب "تراكتورون" فالقضية أكبر من هذا وأعم. باعتقادي أن هذا الشر ليس مكتوباً علينا ولا يجدر بنا أن نقبله كواقع ولعنة، نصلي الا تصيب أعزاءنا. القضية قضية هذا الصمت المستفز من مجتمع يجمع على خطورة هذه الظاهرة ومثلها ظواهر أخرى، ولا يعلي صوتاً ولا يحرّك ساكناً".
القضية.. ثقافة وتربية وإقدام وتضحية. القضية أن نحترم الغير ونقدّس الحياة وننبذ من يعبث ويستهزئ بها.
ثلاثة "غيبوا" إلى حيث لا حزن ولا وجع، وبقي من بقي، وكذلك ستبقى مركبات الريح والنار، وسيبقى الموت هازئاً عنيداً عابثاً. فمتى سنهجر المبني للمجهول ونعود إلى ما تعلمناه من صيغ أفعال ونضم إليها فاعليها؟!.
إلى حينه سلام عليكم يا نزار وجوزفين ونسرين، سلام عليكم يوم ولدتم، ويوم تبعثون أحياء.
