موقعة العفريتة.!

single

أسموها بالعفريتة، لأنها كانت تمرُّ، في طريق وادي عارة، بسرعة جنونية، من بين الحقول، مصدرة ضجيجًا عظيما، يصيب الفلاحين بالذعر.
وكان ذلك في زمان، لم يعهد فيه سكان الوادي،هذا النوع من العفاريت، التي تنطلق بسرعة جنونية، على عجلتين.!
فكان إذا سمع الفلاحون زعيقها،هربوا من حقولهم، الواقعة على حافة طريق الوادي، الى الجبال والتلال المحيطة به، خوفا واتقاءً لشرِّها، فإذا تلاشى صوتها، من فضاء الوادي، رجعوا الى مزارعهم.
وكانت تمرُّ، في كلِّ يوم خميس مُشَرِّقة، لتعود مُغرِّبَة في كلَ يوم أحد.
 فلا بد من التخلّص من شرِّها الداهم!
..هكذا قرّر أهل البلد.. في اجتماعهم تحت خرّوبة محمد السعيد.
خصوصًا بعد أن دهمت عوض السلامي، وزادت من عاهاته.. صار أعرجًا ومقوِّس الظهر، بعد ان كان أصمًا أبكمَ منذ ولادته.
كان يمشي في الطريق، كعادته في كل يوم، متجهاَ الى حقل عمِّه، فصدمته العفريتة، وطارت مبتعدة عنه، فتركته وراءها كتلة مهشمة، انتشله الفلاحون، بعد ان رجعوا من هروبهم من العفريتة، وأسعفوه.
قال الشيخ سلامي، في الاجتماع : انه سيُلجِم على أهل البلد جميعًا، ليحميهم من شرِّها اللئيم.!.
في الليل أخرج موسه من جيبه، وطواه تاركًا فتحة بين النصل وبيته (ربع فتحة)، وقرأ عليه ما تيسَّر من الآيات والتعاويذ،وتركه جانبًا حتى مرور العفريتة!
وكان سعيد الحسين - ابن العاشرة - أوّل من وصل الى عوض، وأوَّل من رأى جراحه، وتشرب آلامه.
 فعقد العزم على مهاجمة العفريتة..
ولم يكن له من سلاح إلا قفازته وحصاها !
فتوجه الى الوادي..
 ملأ جيبه بالحصى، وصعد على البلوطة، الملاصقة للطريق التي تمرُّ بها العفريتة، وجلس على أحد فروعها، منتظرًا مرورها..
ولما سمع صوتها، يشقُّ سكون الوادي، صوَّب قفازته نحو مكان مرورها، وتأهَّب لضربها..
 وعندما وصلته، أطلق عليه ذخيرته فأصابها، وربما أصاب سائقها.والدليل على ذلك، أن العفريتة جنحت عن الطريق، وصدمت عنزات سلامي الفايز.. وتركت وراءها عنزة ميتة وجريحتين.. وخرابا كبيرا، في حقول القمح، التي تحاذي الطريق.
فتنادى أهل البلد، وعقدوا اجتماعًا، تحت خروبة محمود أبو صالح، لتداول الأمر الجلل..
كلُّهم حضروا.. ما عدا الشيخ سلامي، فقد تغيَّب..!
وعندما سألوا عنه، ردَّ بعضهم، أنه خاف من ألسِنة وعيون أهل البلد، التي ستهزأ بعملية لَجْمِهِ، التي لم تأتِ بنتيجة.!
وفي الاجتماع، وقف عارف الحلو، أمام الناس وقال :
هذه القصة، ستسمعونها منّي لأول مرة:
قررت في أحد أيام مرور العفريتة، ان لا أهرب منها، وقلت في نفسي -
يا ولد ما هي الموتة واحدة.!.
 فَلَطَيْت خلف صخرة، بجانب الطريق، منتظرًا مرورها.. وعندما تعالى صراخها، وأصبح يصمُّ الآذان
 ولكن خُرس هديرها فجأة.. وانعدم كأنه لم يكن !
 فعرفت أنها وقفت بجانبي، رفعت رأسي، حتى جاوزت عيناي حافَّة الصخرة..
 فرأيتهم..!
 كانوا بجانبي.. لا يبعدون عنّي سوى خطوات قليلة..
رأيت سائق العفريتة، يسلِّم رجلين كانا بجانبه،عددًا من البواريد..
 ولما انتهوا من التسليم.. ركب السائق عفريتته، وانطلق مبتعدًا عن المكان، أمّا الرجلان فقد حملا البواريد، وصعدا الجبل مسرعين.!
 فلحقت بهم الدَّبق بالدَّبق .. صعدا الى هضاب الروحة، مشيا الى نواحي إجزم، وهناك كان في انتظارهما،مجموعة كبيرة من الرجال، وبجانبهم عدد من السيارات.
 وعندما اقتربت منهم، اختبأت خلف صخرة بالقرب منهم، فعرفت من تراطنهم أنهم جنود من الانجليز، يعدون العدة لمهاجمة البلد.!
فغافلتهم ودخلت البلد، وحذَّرت مختارها.. من الخطر الذي سيدهم بلدهم..
 ان هذه العفريتة، توزِّع السلاح والمعلومات والأوامر، الى فرق الجيش الإنجليزي، التي تطارد الثوار، وتعتدي على قراهم.!
صاح سليمان الموسى..
 لا بدَّ من التخلص من شرِّها!
ردَّ عليه فريد الصالح..
 في الاجتماع التالي الذي أقيم في المسجد، حضر أهل البلد جميعًا، تركوا بيوتهم ومزارعهم، أتوا يحملون غضبهم، وتصميمهم، على التخلِّص من هذه العفريتة..
اقترح جميل الصالح، أن يدحلوا صخرة من الجبل، لتجثم في طريقها..فتصطدم بها العفريتة فتقطعها إربًا، فاستُبعِد الأمر من قِبَل الجميع، لأن سائقها ماهر، وسيميل عنها، ويخرِّب جانبًا من المزروعات.
 نصُفُّ حجارة كبيرة،على طول عرض الطريق.!
صاح عامر السليم من بعيد..
فاستُبعِد هذا الأمر أيضًا، لنفس الأسباب السابقة..
فوقف عيسى القبلاوي، في وسط الجموع، وصاح طالبًا حق الكلام..فسكت الجميع، كأنه رماهم بقنبلة من السكون...
كان على الجبل مع الثوار، يحارب الإنجليز، فلما ترامت الى سمعه أخبار عقد الاجتماع، نزل عنه ليشترك فيه..
بدأ صوته خفيضًا، كأنه نغمات، خرجت من جدول رقيق :
 يا أهل بلدي.. نستطيع بسهولة، ان نتغلَّب على هذه العفريتة..!
ثم بدأ صوته يعلو ويعلو.. حتى أصبح كالتيّار الجارف..
 إذا اتحدت قلوبنا، وتحوّلت الى قلب واحد..واتحدت أيدينا الى يد واحدة..
ننزل الى الوادي.. كلُّنا - رجالًا ونساء وأطفالًا..
نقف فيه.. نغلقه من هضاب الروحة، الى جبل الخطّاف.. صفٌّ نرصُّ خلفه صفًا..
قد تصيب العفريتة عددًا منّا، ولكنَّها في النهاية، ستقع بين أيدينا، وننتصر عليها، ونتخلَّص من شرِّها.!.
كلّنا معك..!
سنقف كلّنا في خندق واحد..!
سننتصر عليها..!
تعالت أصوات التحدّي، من كل ِّ الجهات..
وفي يوم الخميس، نزل أهل البلد الى الوادي، وأغلقوا الطريق بأجسادهم.. كانت عيونهم تطفح بالتحدّي، نسوا خلافاتهم ونزاعاتهم، وتلاحموا جسديًّا وعاطفيًّا،
 ووقفوا كالبنيان المرصوص .. كما قال الشيخ عبدالله في موعظته التي ألقاها، بالواقفين تحت رحمات الله.!
ونسي ما قاله، في خطبة الجمعة : ان العفريتة قدر من عند الله. والقدر لا يمكن ردّه !.
وملأت الملّايات جرارهن من عيون البلد، وأسقيْن الواقفين تحت الشمس الملتهبة..
وقفوا..
صبري السعيد، راعي البلد، كان يحمل عصاه، التي كان يهش ُّ بها على غنمه..
فاطمة العبد، أتت تحمل شرخها، التي كانت تحطِّب به..
سعيد الحسين كان يحمل قفازته.. وجيوبه كانت مليئة بالحصى..
حُسن السالم، كانت تحمل العصا، التي كانت تنتف به، صوف الخراف، التي كانت تحضِّره لصنع الفراش..
والذي لم يكن بيده عصا أو شرخ، كان بيده حجر..
وقفوا وانتظروا العفريتة..
وإذا بصوت، كأنه سكين حادة، يقسم ظهر السكون الذي يطبق على المكان..
 أجت.. أجت العفريتة..
يا الله يا ناس..
هذا يومكم..
سدّدوا ضرباتكم لهذه الملعونة..
 ارتفعت صيحات، من مواضع متفرِّقة، من بين الجموع..
ولما وصلتهم، انهالت عليها وعلى راكبها، العصي ّ والحجارة من كلِّ جانب..
حتى وقف في وسط الجموع..
أصيب عشرة من أهل البلد.. ثلاثة منهم، كانت إصابات متوسطة، والإصابات الباقية كانت خفيفة ..
 أما السائق فكان منبطحًا على الأرض، يسيل الدَّم من مواضع كثيرة من جسمه، والدموع تملأ عينيه، و يصدر منه شهيق من البكاء المرّ.
 تقدَّمت فاطمة العبد منه حاملة شرخها، وقبل أن تهوي به على رقبته، صرخ بها عيسى القبلاوي..
لا.. ! لا تفعلي ذلك..!
فتوقفت..!
تقدَّم منه، وساعده على الوقوف..وأسعفه وأسقاه..
وأخذه معه الى الجبل، أسيرًا لدى الثوّار..
فصاح الشيخ عبد الله : هذه أخلاق الإسلام أيها المؤمنون..!.
أما العفريتة المصابة ، فقد احتفظ بها أهل البلد، ذكرى لوقفتهم البطولية.



(عرعرة)

قد يهمّكم أيضا..
featured

أميركا تحارب بواسطة اشعال الاحتقان المذهبي

featured

تحية حب وضمة ورد إلى المرأة العاملة في عيدها

featured

"أخي جاوز الظالمون المدى..."

featured

السلام والعمار أفضل من الحرب والدمار

featured

مرسي والقرارات المبتورة

featured

من النرجس وإلى النرجس تعود

featured

النقد ابو الثورات