في مثل هذا اليوم، قبل عام واحدٍ بالتمّام والكمال، رحل عنّا مناضلٌ شيوعيٌّ صلب، فارسٌ عنيدٌ صنديد، مربٍّ وقائد وإنسان كبير، هو الرفيق نمر مرقس (أبو نرجس)، رئيس مجلس كفر ياسيف السابق والشخصية الوطنية ذائعة الصيت.
كنّا خارجين للتوّ من معركة انتخابية مركّبة، كانت الأولى بعد "الربيع الكاذب". في اليوم التالي، تقاطر الرفاق زرافاتٍ ووحدانًا إلى كفر ياسيف، لا ليأخذهم إلى محطة جديدة، بل ليأخذوه إلى محطته الأخيرة. كان المشهد مَهيبًا: الألوف من الرجال والنساء، الشيب والشباب، شققنا شوارع بلدته الجميلة، كأننا في مظاهرة، مشينا على إيقاع الرذاذ الخافت. مظاهرة حزينة، صامتة، لكنها مظاهرة؛ فيها المقولة، وفيها الموقف، وفيها كثيرٌ من الوفاء لرجل ظلَّ وفيًّا للفكر والطريق.
لم يكن الشعور بأنّنا نودّع رجلاً واحدًا، بل جيلاً بأكمله من الشيوعيين. الجيل الذي لملمَ من حطام النكبة ما استطاع إليه سبيلاً من صمودٍ، وهوية، ونَفسٍ كفاحيّ، ليشيّد مشروع بقاء وتجذّر في وطنٍ لم يكن بقاؤنا فيه، مكانًا، ولا بقاؤه فينا، معنًى، أمرًا بديهيًا. وإذا كانت الهُوية – بحسب تلميذه الشاعر محمود درويش – هي "ما نورث، لا ما نرث"؛ فقد أورثَنا جيل أبي نرجس ورفاقه ورفيقاته هويةً فكرية ونضالية ستظل "أقوى من النسيان".
آمن رفيقنا بالفكر الأممي الإنساني حتى نخاع النخاع، وطبّقه بحذافير الحذافير، في حياته العامة والخاصة. وظلّ حتى يومه الأخير بوصلة فكرية وسياسية أبت إلا أن تؤشر على الاتجاه الصحيح. فكم كانت مقالاته في صيف 2011 هامة لتصويب بعض المواقف الضالة في ما يخصّ الأزمة السورية، وتغليب العداء للاستعمار وزعانفه - أعداء الشعوب - على أي تناقض ثانوي. وكم تأثرنا، لاحقًا، حين أنشد أحرار الجولان في تأبينه: "أبو نرجس ساحات مجدك واسعة/ نمر العروبة ان غبت شمسَك طالعة/ جولان وفلسطين نسيتها العِبي/ تبقى سوريّة تقول أرضَك راجعة".
لذكراك في هذا الصباح تحية مكلـلة بأوراق الزيتون الذي أحببت، معطّرة بماء الورد، والياسمين الدمشقيّ، والنرجس الجليليّ الفوّاح.. نم قرير العين يا أبا نرجس، فإنّا باقون على العهد.
