ملحدو عصرهم أنبياء العصر القادم

single

سلامة موسى

 

سواء اتفقنا أن مادة الوعي تختلف عن مادة التراب في أو منبثقة عنها ومشتقة منها، فإننا نتفق أنه لا نهاية لتطور هذا الوعي، وتجاوزه لنفسه. ولا خوف أن ننطلق - مؤقتا - من القصة التوراتية، لا باعتبارها قصة للخطيئة، بل باعتبارها نواة تجاوز الوعي البشري لحدوده، فيما صار يميّز الإنسان عن غيره من البهائم. لقد أكل آدم من شجرة المعرفة، وأفاق لنفسه في عصر موغل في القدم.
ولكي نضع أنفسنا مباشرة زمام الموضوع الذي نناقشه، فلنأخذ ابراهيم الخليل كمثال. فما نتفق عليه جميعا، بغض النظر عن الحقيقة التاريخية، أن تاالرجل كان كافرا بمعتقدات آبائه وأجداده. ساخرا من رب معاصريه أو أربابهم الكثيرين. ولم يكن هذا بالأمر السهل، كما يظن البعض. فقد يدفع المرء حياته لقاء مجاهرته بآراء تخالف آراء معاصريه، خصوصا اذا حملت هذه الآراء رأيا مخالفا في الدين وفي القداسة وهي مجموعة ائلة من المحرمات التي لا مبرر لها سوى أنها نزلت من السماء. هكذا استحق ابراهيم الخليل أن يحرق بالنار.
ولكن بما أن الأفكار العظيمة، لا تستطيع النار أن تلتهمها، كون النار  توليفة مادية من الأكسجين والحطب فقط. فقد نجا ابراهيم الخليل، مُلحد ما بين النهرين، مبشرا ، مبشرا بالدين الجديد. دين الرب الذي ليس هو قمر ولا شمس ولا سحابة، بل هو علة هؤلاء جميعا..
ومثل إبراهيم الخليل كان سقراط، الذي أُرغم على تناول السم، بسبب أفكاره الهدامة عن آلهة عديمي الفائدة، آلهة متصارعة فيما بينها، متهافتة، والتي لا تختلف صراعاتها وتفاهاتها أحيانا عن صراعات ،تفاهات زوجين مقبلين على الفراق.
كانت التهمة التي وجهت إلى سقراط هي الإلحاد. الكفر بدين الآباء والأجداد. فما الذي حدث؟ مات سقراط - وهو ميت في كل الأحوال - وعاشت أفكاره وقد انزلت آلهة الأولمب عن عروشها.
بشر سقراط بديانة جديدة، هي الديانة التي أتى بها أرسطو تلميذه. ديانة العلم والمنطق الصوري الذي يسمى باسمه. وان لم تكن هذه ديانة سماوية، فإنها كانت ديانة أرضية علمية، أثَّرت عموديا وأفقيا في جميع الديانات والمذاهب التي أتت بعدها.
وما كان النبي محمّد سوى كافر بديانة قريش؟ وما كان ذنبه وما لاقاه من صدود سوى  إلحاده بدين آبائه وأجداده. وماذا كانت التهمة التي لبسته، ردحا من الزمن هو زمن الدعوة، سوى "إساءته" لدين الآباء والأجداد، وأساطير الأولين، ممن أتوا قبله ؟
وتفضلوا النموذج الذي أتى به محمد ، لقد حول مركز الإلحاد في زمنه، الكعبة، وما فيها من أصنام، إلى مركز الديانة الجديدة - الإسلام. أصبحت الكعبة هي القدس الجديدة. المعبد هو نفس المعبد. والمكان هو نفس المكان، ولكن تغير الاتجاه الى عكسه. هكذا يرتكز التغيير الخلاق أحيانا على التغيير التدريجي، ويتبنى بعض رموز الماضي، التي لا يمكن إعدامها مرة واحدة.
نموذج الإلحاد والإيمان هذا نجده في العلوم نفسها. لقد أساء نبي العلم أرسطو الى العلم أكثر مما أفاده.
لقد قام أرسطو بتثبيت مبادئ وعلوم تبين فيما بعد أنها كانت في غاية السطحية والخطأ. فالشمس لا تدور حول الشمس، والأرض ليست مركز الكون كما يقول، الجاذبية لا يمكن تفسيرها برغبة الصخور والكواكب البعيدة العودة إلى حضن الأم الكبرى، إلى الأرض؟ لماذا يعاود الحجر السقوط بعد أن قذفناه الى أعلى، برأي أرسطو؟ لأنه يشتاق إلى العودة إلى المركز، إلى الأرض التي هي مركز الكون، وأصل جميع الأشياء. الناس يموتون لأن أجسامهم الترابية، تعاود الحنين إلى باطن الأرض الذي جاءت منه.
ولكن الأفكار العظيمة بقدر ما تكون مفيدة وخلاقة، قد تصبح  عائقا على الأفكار الجديدة، الأعظم منها، والأصحّ. وكانت فكر أرسطو  التي تبنتها الكنيسة بعد ردح من الزمن، عائقا على فكر جاليلو وكوبرنيكوس. ولا شك أن علماء آخرين خالفوا أرسطو في أفكاره ومبادئه، ولكن لم يكتب لأفكارهم الحياة، بسبب أنها خالفت هذا النبي القديم.   
وعلى أفكار جاليلو أقام نيوتن ديانته الجديدة. رؤية جديدة للكون اللامتناهي والذي لا سماد فيه بل نجوم تسبح في الفضاء. وأماط نيوتن اللثام عن جاذبية أصبحت في ضوئها جاذبية أرسطو صبيانية بل مضحكة. وأنكر مطلقيه المكان، مبقيا على مطلقيه الزمان.
ولكن نبوءة نيوتن وديانته، لم يكتب لها إلا حياة قصيرة فقط. فقد أثبت أينشتاين أن أفكار نيوتن بالنسبة للزمان هي  خاطئة.
ليس هناك زمن واحد يسود في جميع أرجاء العالم. فالزمن مرتبط بالمكان. ولكل مكان زمانه، بل لكل ذرة في ذرات الكون زمانها الخاص بها. أفكار ليس من السهل أن تستوعبها عقولنا التي تمرست على معتقدات الآباء والأجداد. ولكنهم في الغرب تعلموا الدرس من محاكمة جاليلو: وهو أن ملحد اليوم قد يصبح نبي الغد. فكان للكنيسة الجرأة الأدبية لتعتذر لملحد الأمس وتنصبه نبيا جديدا للعلم.
فمتى نتعلم نحن في الشرق - على طريقة تعبير سلامة موسى - هذا الدرس، ونعرف أن ملحدي اليوم قد يكونون أنبياء الغد؟

قد يهمّكم أيضا..
featured

من مجنون فلسطين الى ترامب اللعين

featured

التصريحات مسدّسات محشوّة

featured

عندما نكون بين أنياب جمهور بيتار القدس..!

featured

همسة وفاء للرفيق مبدا سليم حاج "أبو غسان"

featured

المماطلة: لعنة أم بركة!

featured

سيحل السلام على الملعب

featured

قلم يكتب ضد هويتنا

featured

انهم يعتقلون صوت الحرية