كثرت زُمَرُ الضباب الهائمة في أودية الليل.. تريد أن تسرق ضوء محاجرنا، وتقذف به في أودية الأبد السحيق.
فلطالما قرأتُ مقالاتٍ تنتسب إلى الحق، بأقلام الكتبة المهرة الذين يريدون الخير فانطلقوا زُرَافاتٍ ووحْدَانًا يقتبسون من هَدْي المذاهب والأفكار التي لا طائل من ورائها إلا كما تقبض بيديك هشيمًا قد أكلته عاديةُ الريح..!
فنكون كقابض على الماء خانته فروج الأصابع..
أو كالذي يستحلب السرابَ الماء، ويستنبت البذورَ في الهواء!!
إن القلم العربي يهتدي بضوء هذه الكتب التي أنزلت على الخلق منذ أذن الله بإخراج البشرية من ظلمات الجهل إلى آفاق العلم والتوحيد.. فتأتي كلماته قناديلَ معلقةً بالعرش.. موصولة بالوحي.. تفوح منها عطور الفراديس الهادية إلى الخير والإيمان...
لكن الكثيرين من بني جلدتنا الآن يقعون في حبائل الغرب، فلا يحسّ الواحد منهم حياة في مقالِه إلا إذا اتَّكأ بقلمه على جُملة لـ "سارتر"، أو حكمة- زعموا- لـ "بودلير"، أو تعليق لـ "كانت" . فإذا ما فرغ صاحبنا من مقاله، وألقى بقلمه بعيدًا على أريكةِ الراحةِ يَتَمَدَّد، مُحْتَسِيًا بعض أنفاس خمول تسري بالخدر اللذيذ في جسده وعقله! ثم نظر إلى مقاله، يظنه متألقا يتنفس بين يديه..! وما هو إلا الزيف الذي يختل من عَشِيَ بصره.. وارتكستْ هِمَّتُه..!
ما هذا الغثاء؟! إن هذه كلمات تُصَلِّي إلى غير قبلتنا.. وتنظر من وراء جُدُر إلى حضارتنا التي أَظَلَّت العالمَ حينًا من الدهر .. انطلق فيها النور مشبوبَ النشاط في آفاق الكون!
وكلما طرقتُ باب صحيفة أو مجلة أجد كلمات متبرجةً بزينتها، ملفوفةً في أردية الضوء الزائف لكل أصلع فكرٍ غربي أو أوروبي..!
وكأنَّ لغتنا صارتْ تابوتًا مدفونًا في مقابر الظلام الموحش... لا نجد فيها كلمةً حيَّة نرسمها على جبين صحائفنا.. أو بين حنايا المقالات...!
وكأنني إذا ألقيتُ هاهنا حكمة يونانية، تتبعها ترنيمة إنجليزية فقد أتيت بما لا قِبَلَ للعقولِ به!!
إن هذا الداء الذي يتدسَّس إلى أقلامنا.. وينسرب إلى عقولنا ..باسطًا أشعته الحالكة.. دليل على أن أرواحنا عَصْفٌ هشٌّ لا يستطيع أن يُقَاوِمَ إعصار الشمالِ المتأنق!!
وهذا هو الداء الذي يعصف بأقلامنا.. ويديرها عن قبلتنا إلى منهج غيرنا.. وما إلى كهنة التغريب قصدت..! بل إلى إخواننا الذين نتوسََّم منهم الخير..
وكأن ابن خلدون - كان صادقًا حين عقد فصلاً نفيسًا في مقدمته الباذخة فقال: الفصل الثالث والعشرون في أن المغلوب مولع "أبدًا" بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده!
وانظر إلى كلمة "أبدًا" هذه التي تصفع وَجَناتِ الغافلين أحلاسِ المقاهي!!
ولقد نظرت إلى أعلام كتابنا فلم أجد عندهم هذه الذِّلَّة التي تترنح في دفاترنا الآن..!
إن هذه العُجْمَة المستعربةَ التي اندلعت نيرانها في حياتنا الثقافية كائن غريب لم يعرفه آباؤنا الأولون الذين كانت أفكارهم متحدرةً من سماء الكتب المقدسة النفيسة التي حثّت الإنسان على الرابط الإنساني بين أخيه الإنسان لا يهم عرقه وفصله، فإذا أعطانا الله وأكرمنا بحكمة الترابط بين البشر كإخوة لماذا نعمل نحن البشر على تفرقة الإنسان بسبب طائفته وعرقه؟؟؟
فالطائفية قيود وسلاسل تمنعنا من أن نكون طلقاء وتمنعنا من الحرية ، فقد وصل الحال من تمكن هذه القيود أن سببت اضطهادا على كثير من البشرية ، سببت حرمان أكثر البشر من التمتع ، من صرف القلب والنفس لما خلقت له ، سببت حرمان البشرية من السعادة والفرح والسرور ، و جعلت على بعض البشر التعاسة والغم والهم ،حتى وصل بعضهم إلى العلاج ببعض المراكز الطبية ووصل البعض إلى قتل نفسه و إلقائها من أعلى الشواهد المبنية ، فهذه القيود لا بد أن نتحرر منها ، لا بد أن نكسر هذه السلاسل ، وننطلق للحرية التي جعلها الله تعالى لنا ، الحرية الحقيقية لا الحرية المزيفة التي تنتهك الأديان والأعراف والأخلاق ، الحرية التي تطلق النفس لامتثال أوامر خالقها وطاعة باريها ، بدلا من تقييد النفس بسلاسل التمييز والعنصرية الواضحة التي تسلك بالإنسان لطريق الهلاك والدمار،ألا فلننظر لمن حولنا الذين تمتعوا بكل شيء ما تركوا من التمييز شيئا إلا فعلوه ، هل ملكوا السعادة ؟ هل وجدوا الفرح ؟ هل وصلوا للسرور ؟ بل هم في حزن وغم وكدر بل تجد نسبة الانتحار والمرضى النفسيين وجرائم الاغتصاب والقتل وانتهاك حقوق الغير منتشرة بشكل كبير جدا مع وجود القانون ، فبهذا يعرف تأثير قيود التمييز بين انسان وآخر،التي لا بد أن تنكسر ويترتب مكانها رباط التآخي والحكمة وحب الناس من الصميم، فالله خلقني وخلقك وخلقه من شيء واحد وكلنا عبيد الله وهو قاضينا وحاكمنا، ولماذا يمسك البعض منا المطرقة ويعلن نفسه حاكما لغيره؟! من أنت أخي الإنسان حتى تحاسب إنسانا آخر بتهمة التمييز واختلاف الدين؟! من أنت حتى تفرّق بين البشر وتقسم العرب لعربين، فمشاكلنا تكفي لأن تملأ كل فجوة من فجوات الكرة الأرضية ولا زلنا ننبش ونحفر العديد من الفجوات...اتحدوا في مجال واحد وحبل واحد واستيقظوا من ألعاب التمييز والعنصرية ومزّقوا صفحتها لنغدو نحو غد جديد أبيض كالحليب طاهر كالملاك وحامل للتآخي والمحبة من الصميم...
(شفاعمرو)
