حين تباينت الآراء في حسن أو نجاعة توصيات لجنة طرخطنبرچ فيما يخص قضية السكن في البلدات العربية، وجدت أنه من واجبي أن أبدي رأيي المهني في توصيات اللجنة خصوصًا أن مركز دراسات- المركز العربي للحقوق والسياسات قدَّم حينئذ إلى اللجنة ملخَّصًا كنت أعددته عن أزمة السكن في البلدات العربية، كما كنت مثلت بعدها أمام اللجنة، بدعوة منها، وشرحت أمامها العوامل التي تعيق تطور البلدات العربية وتمس حقوق المواطنين العرب في المسكن.
مبدأيا، رغم التحفظات على ما أوصت به اللجنة فيما يخص الإسكان في البلدات العربية، أرى أنه بإمكاننا استغلال التقرير لدفع نضال المواطنين العرب والسلطات المحلية العربية لحل أزمة السكن وإيقاف هدم البيوت في البلدات العربية. فإنه في حين خشي البعض من أن تتجاهل لجنة طرخطنبرچ قضية المسكن في البلدات العربية، تطرقت اللجنة إلى أزمة السكن في البلدات العربية بفصل خاص في تقريرها، بل إنها اعترفت بوجود عوائق خاصة تمنع تطوير البلدات العربية وطالبت حكومة إسرائيل بحلها. بهذا، لم تعد العوائق التي تحول دون البناء المرخص في البلدات العربية مجرد ادعاء من المواطنين العرب، بل أصبح وجود هذه العوائق معطى واضحًا على حكومة اسرائيل التعامل معه وعلاجه. صحيحٌ أن لجنة طرخطنبرچ لم تذكر بالتفصيل هذه العوائق الخاصة، لكنها معروفة لكل المختصين العاملين في التخطيط في البلدات العربية، فضلاً عن أنها وردت في أبحاث مختلفة آخرها البحث الشامل الذي أعددته برعاية مركز دراسات- المركز العربي للحقوق والسياسات بعنوان "أزمة السكن وهدم البيوت في المجتمع العربي: العوائق القائمة والتوصيات للتغيير"، الذي سيُنشر قريبًا بإذن الله.
يبقى الجدل الأساسي في نظري فيما تساهمه توصيات لجنة طرخطنبرچ فيما يخص المسكن في البلدات العربية في حل أزمة السكن في البلدات العربية فعليا وفي الوقت الأقرب، وفي هذا الشأن أجد أن توصيات اللجنة مهمة جدًّا ولكنها لا ترقى الى المستوى الكامل الذي يضمن حل أزمة السكن في البلدات العربية، بل إني أشك أن تطبيقها سيساهم كثيرًا في حل هذه الأزمة حلا كاملاً وقريبا.
وعن تحفظاتي من توصيات لجنة طرخطنبرچ، أقول أولا إن دعوة اللجنة الى توسيع خطة التطوير الاقتصادي للسلطات المحلية العربية لتشمل تدريجيًّا كل السلطات المحلية العربية، وزيادة مبلغ 250 مليون شاقل لهذا الغرض، هو أمر جيد، ولكن المبلغ المذكور ليس إلا نسبة قليلة من الميزانيات التي تحتاج إليها السلطات المحلية العربية لتحريك المخططات الهيكلية للإسكان ولتأمين شبكة البنى التحتية الذي يؤدي انعدامها إلى تجميد كل الخرائط الهيكلية في عشرات البلدات العربية.
ثانيا، فيما يخص دعوة اللجنة إلى توسيع نفوذ السلطات المحلية العربية ومطالبة وزارة الداخلية بالإسراع في تجديد الخرائط الهيكلية التي تمنع بعض البلدات العربية من المطالبة بتوسيع نفوذها، فإن هذه التوصية مهمة جدًّا بالنظر الى امتناع وزارة الداخلية من توسيع نفوذ البلدات العربية عقودًا طويلة، ولكنها لن تؤدي إلى توسيع نفوذ البلدات العربية فعليا، لأن لجنة طرخطنبرچ أوصت بأن تهتم لجان الحدود التي ستقام لتوسيع نفوذ البلدات العربية بأن تستنفد السلطات المحلية البناء العالي المتعدد الطوابق ("בניה רוויה") قبل توسيع نفوذها. ولأن أغلب الأراضي الخاصة في البلدات العربية لا تستغل للبناء العالي، وذلك لعوامل مختلفة، سيُقابَل توسيع نفوذ البلدات العربية بالرفض مجدَّدًا، وهو ما سيعيق مجدَّدًا تطوير البلدات العربية.
ثالثا، رغم إدراك لجنة طرخطنبرچ للحقيقة المرة أنه منذ قيام دولة اسرائيل لم تبنَ ولو مدينة عربية واحدة، بغضّ النظر عن البلدات التي أقامتها الدولة لتركيز المواطنين البدو في النقب بعد ترحيلهم عن أراضيهم، لم تدعُ اللجنة إلى إقامة بلدات عربية جديدة واكتفت بالبلدة العربية المقترحة قرب بلدة الجديدة-المكر في الجليل وبالإمكانية المطروحة لإقامة بلدة للعرب الدروز في منطقة خربة الحنبلية في الجليل الغربي. من جهتي، كان على اللجنة أن تدعو وزير الداخلية والمجلس القطري للتنظيم والبناء إلى بحث إمكانية إقامة بلدات عربية أخرى. فإنه وإن افترضنا أن البلدتين المقترحتين ستقامان فعلا، فأنا لا أقبل افتراض اللجنة أن إقامة هاتين البلدتين ستسدّ حاجة المواطنين العرب الى إقامة بلدات عربية جديدة. أضف إلى ذلك أن نسبة الوحدات السكنية التي ستؤمنها هاتان البلدتان لن تبلغ حتى عدد الوحدات السكنية التي تؤمنها بلدة يهودية واحدة من البلدات الجديدة التي أقامتها حكومة إسرائيل داخل الخط الأخضر وفي الأراضي العربية المحتلة. بهذا صدَّقت اللجنة، بشكل غير مباشر، على تمييز العرب في قضية إقامة بلدات جديدة، وهو تمييز عنصري يندرج في إطار الفكر المرفوض الذي يعتبر البلاد لليهود فقط.
خلاصة القول، أدعو لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية واللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية إلى تكليف طاقم من المختصين لدراسة تقرير لجنة طرخطنبرچ وطرح الخطوات المطلوبة لتحسين توصيات اللجنة المتعلقة بأزمة السكن في البلدات العربية. في نظري، رغم التحفظات المطروحة على توصيات لجنة طرخطنبرچ ورغم الشكوك المطروحة في مساهمة التوصيات فعليا في حل أزمة السكن في البلدات العربية، علينا استخدام تقرير اللجنة لمطالبة حكومة إسرائيل ووزارتها بعلاج العوائق القائمة لتطوير البلدات العربية مثلما طالبتها لجنة طرخطنبرچ، واستنفاد شتى الوسائل الشعبية والسياسية والقضائية لبلوغ هذا الغاية، وقد حانت الساعة لذلك منذ زمن بعيد.
*يعمل الكاتب محاضرًا وباحثًا أكاديميًّا في قضايا التنظيم والبناء.
