والدي ورفيقي ومعلمي .. أكاد لا أصدق أني أقف أمام نعشك

single

لا اصدق اني لن أرى بسمتك وأسمع ضحتك مرة اخرى. ولا اسمع دعابة وفكاهة حديثك مرة اخرى. مع اني اعرف انك عشت عمرا طويلا واعرف ان الورم الخبيث كبر وانتشر واحتل اعضاء جسدك، لكني اعتقدت انك ستهزم كل هذا، كما اعتدنا عليك، كما خرجت من كل المحن والأزمات التي عبرتها، لم تنتصر في جميعها، لكنَّكَ خرجت مرفوع الرأس منتصب القامة وعينك على الموقعة القادمة.
حتى جاءني رفاقك وقالوا: "نعم، لقد ترجل الفارس ورحل".
وها هم قد جاؤوا لوداعك من كل حدب وصوب، ليودعوا رفيق درب، شيوعيًّا أصيلًا، وطنيًّا غيورا، أمميًّا بامتياز، ليودعوا الانسانَ الصادقَ والأمين، ابنَ هذا الشعب. كادحًا ابنَ فلاحٍ وجمّالٍ، جريءٍ ومقدامٍ للكرامة والعزة عنوان. لنصرة الحق كان سيفُكَ مسلولًا وعلى الطاغي غضبُكَ مصبوبًا، أَتَوْا ليودعوا واحدًا من اواخر من تبقوا من عقد اللؤلؤ، من عصبة التحرر الوطني الفلسطيني .
كمال يوسف غطاس. واحد من "حجارة الوادي". واحد من الناس.
كنت الجنديَّ المجهول في مسيرة العزة والكرامة لشعبنا الفلسطيني. كنت القابضَ على جمرة النضال. كنت المبدع الثوري. كنت ماركسيًا بالفطرة ولينينيا في الحي والشارع والزقاق. لم تكن كاتبا او محللا بل كنت من صناع التاريخ، تحرس ظل التين والزيتون وتروي هذه الأرض العطشى، بدون ضجيج وضوضاء بل بعمل النملة.
لك ولهذا الجيل، جيل النكبة نقول: أنتم من منعتم ان نكون كالأيتام على مائدة اللئام. أنتم من منعتم ان نكون "حطابين وسقاة ماء".
بمسيرتك تفتخر الأمم، للأسف لم تكتبها، ولم تنتظر ثناءً او شكرًا او تكريمًا من أحد، ابتعدت عن المنصات والخطابات، لكنك ناقشت الصغيرَ قبل الكبيرِ، بدماثةٍ تارة وبقوة احيانا، لكنك لم تعادِ احدا. احببت الناس فبادلوك حبًّا بحُبّ، احترمت خصمك وبحثت دوما عن نقاط الالتقاء معه، آمنت بعدالة وصدق قضيتك، فعرفت كيف تستميل الصديق وتحارب العدو.
مسيرتك الزّاخرة بدأتها من سوق عكا بجرأتك في توزيع المنشور، عندما كاد يكون الثمن ان تدفع روحك فداه. حملت دمَكَ على كَفِّكَ ووزعت منشور الاحزاب الشيوعية العربية بالموافقة على قرار التقسيم، ليس لعدله، بل خوفا من ضياع كل فلسطين.
تصديت مع رفاقك بأجسادكم لعربات الترحيل، فهمتم ماهيّة مؤامرة "جيوش التحرير العربية"  التي جاءت لتسلِّم فلسطين. كنت مع حزبك بوصلة النضال الحقيقية. تشبثتم بالأرض وباللغة العربية وعرفتم ان الغزاة يتبدلون وأنّ الطغيان الى زوال.
ناضلت عندما كان للنضال ثمن كبير، ما بخلت بدفعه. واجهت الحكم العسكري وطالبت بالتصاريح لغيرك قبل نفسك، دافعت عن فقراء الفرّاطين والجوّالات لتحسين ظروف عملهم حتى اعلنتم الاضراب وانتصرتم. كنت من قادة معركة الزيت والزيتون في الرامة ضد السلطة الغاشمة ومحاولتها سرقة ونهب المحصول فحولتموها  لواقعة سجَّلها التاريخ.
ناضلت لإقامة مجلس محلي منتخب في الرامة وكنت عضوا فيه لاثنتين وعشرين سنة (ا)، نشيطًا حاملًا همومَ النّاسِ، خلّاقًا في ايجاد الحلول لها.
كانت الرامة بلدتَكَ و الشاغورُ والجليلُ بحرَكَ وفلسطينُ كلًّها محيطَك. حاربت الطائفية والعائلية وبقيت صديقا لكل الطوائف. امتنعت ان تكتوي بنار العائلية. عملت في كل المؤسسات: "وين بكون الناس .. منكون"! ومن حيث كنت، أثَّرْتَ وغيَّرْتْ. كنت تقول: "انا بحب كل الناس"!
كنت شيوعيًّا حقيقيًّا، على يدك تتلمذ المئات. صَلْبٌ في (الموقف والرأي) وليّنٌ في الطريق، فائتمنك الحزبُ على مسيرته، تركت المقاولات واموالها وقبلت بالنزر اليسير. كنت متفائلًا ثوريًّا بالفطرة، مع انك رحلت في اقسى ظروف المنطقة والعالم لكنك بقيت متفائلا، دائما رأيت بزوغ الفجر الذي لا بد انه آت لا محالة.
يابا
ابو مازن!
ربيتنا في بيت متواضع جدا، لكنه كان قصرا بالحب والعطاء والتضحية، لم تبتغِ مالا لأنك غنيٌّ بمبادئك، لم نشعر ابدا اننا فقراء، بل كنّا بحب الناس لنا أغنياء.
هذا ما ورَّثتنا ... وَنِعْمَ ما ورَّثْتْ.
قامتك المنتصبة لم تنحن لشيء، حتى عندما ثكلت وثكلنا الابن والأخ الحبيب مازن، لكنك ايضا صمدت امام هذا الجرح الكبير الذي لم ولن يندثر.
عشت العمر مغمسا بالفرح والسعادة والتفاهم مع رفيقة دربك وحبِّك وحياتك نجيبة، وها انت تودعها اليوم...اليوم بالذات في عيد زواجكما الرابع والستين.
أعدك يا أبي اننا سنصونها برمش العين كما صانتك وحملت همومك.
أيها المشيعون الكرام
باسم الوالدة نجيبة والاخ وائل والاخت ام كمال وبالأصالة عن نفسي وعائلاتنا وعائلة غطاس وخوري وموسى والعائلة الكبيرة الحزب الشيوعي والجبهة اتوجه بالشكر والامتنان الكبير لكم جميعا على مشاركتنا في عزائنا وفقدنا الكبير. نتمنى لكم جميعا طول العمر.
آملين ان تبقى دياركم بالفرح عامرة.

ولك ايها الفارس المترجل
ستبقى فارسنا

وعلى دربك سائرون...

ابدا على هذا الطريق...
شرف السواقي أنها تفنى فدى النهر العميق
ابدا على هذا الطريق..
ابدا على هذا الطريق..

قد يهمّكم أيضا..
featured

لِتتوقفْ حرب الإبادة..!

featured

عملتها يا رفيق !!

featured

غباء فائض القوة... وحكمة المقاومة (2-2)

featured

﴿..وَالزَّيْتُونِ﴾

featured

الصين في أفريقيا... نفوذ يتنامى

featured

مرض باركنسونParkinson's Disease

featured

في الذكرى السابعة والعشرين لرحيل خالد نزال: أنظر إلى ما فعلته بي

featured

رحيل زوجة مناضل وأم حنون