غباء فائض القوة... وحكمة المقاومة (2-2)

single

حققت قوة اسرائيل، في حرب حزيران 1967، اعظم انتصار في تاريخها وربما في تاريخ الحروب المعاصرة. إذ هزمت في ستة ايام فقط ثلاث دول عربية وجيوشها مجتمعة. بل فعلت هذا في اول ست ساعات للحرب. أنهى يومها التلفزيون الاسرائيلي نشرته الاخباري المسائية بآية من "التوراة" تقول: "وارتاح الله في اليوم السابع"...
قبل ذاك النصر كانت حروب انتصار اخرى ارادت اسبرطائيل بين ما ارادته منها إفهام العرب بلغة القوة التي "لا يفهمون غيرها" أن ما عليهم الا الخنوع والاستسلام لارادتها. نذكر منها، على سبيل المثال لا الحصر، النكبة الكبرى عام 1948 والعدوان الثلاثي عام 1956، والحروب والحملات على لبنان، واربع حملات على المناطق الفلسطينية خلال 12 عامًا مضَت منذ 2002 حتى "الجرف الصامد".
لكن ما كادت تمر سنتان على النكبة حتى بدأت عمليات التسلل الفدائية للمستوطنات اليهودية التي قامت على خرائب البلدات العربية. وبمرور سنتيْن على حرب حزيران بدأت مصر حرب استنزاف. وقبل حزيران كانت تشكلت اصلا حركة التحرر الوطني الفلسطينية – م.ت.ف.، واخذت تقوى وتبرز عربيًا ودوليًا بعد هزيمة حزيران. ولم تعبر الا ست سنوات على تلك الهزيمة واذ بحرب اكتوبر 1973 لتحرير الارض تشتعل. وكل الحملات السابقة على المناطق الفلسطينية لم تقد الى استسلامها.
لذا كذب وافتراء ما تدّعيه اسرائيل بان العرب – وفلسطين – لا يفهمون الا لغة القوة. وهي لم تفهم أصلًا أن بضعة فرسان – مقاومين – اختبأوا في جوف حصان خشبي، استطاعوا اختراق اسبارطة المحصّنة بقوة عسكرها وبجدرانها واسوارها الواقية.
لقد علّمت اسرائيل حقًا العرب عمومًا وفلسطين خصوصًا درسًا لن ينسوه ابدًا. وهو انه لاستلال مطالبهم العادلة من بين انيابها لا بد من وضعها على قدر من ماء يغلي وتلقينها للدرس الذي تستحق وتدفيعها الثمن الطلوب. وان ما اخذته اسرائيل بالقوة من فلسطين لا يُسْترد الا بالقوة. قوة الصمود والمواجهة والتصدي والوحدة الوطنية والمقاومة. والمقاومة ليست حقًا فقط بل هي واجب، وهي متعددة الاشكال من عسكرية ومدنية جماهيرية وسياسية وديبلوماسية واقتصادية وثقافية.
ما من مكسب استلّه العرب من اسرائيل والا كانت المقاومة بأشكالها المختلفة هي السبب. الا ان الانتفاضة الفلسطينية الاولى والتي استمرت لسنوات منذ كانون اول 1987 الى 1991، والتي كان سلاحها الحجر في وجه "جيش لا يُقهر وتفوق قوته قوة البشر"، هي التي الزمت اسرائيل بالاعتراف بمنظمة التحرير والتفاوض معها والانسحاب من بعض المناطق المحتلة، وإقامة السلطة الفلسطينية. ولولا حرب اكتوبر لما انسحبت اسرائيل من سيناء وبعض مناطق الجولان. وما من اطلاق جدي لمئات والاف الاسرى الفلسطينيين الا وجاء على خلفية خطف لإسرائيليين. ولم تنسحب اسرائيل من لبنان الا بعد ان صلتها المقاومة بمقاومتها.
وها هي اسرائيل اليوم تفاوض حماس عمليًا، وان كان بشكل غير مباشر، وتعترف بحكومة الوفاق الوطني الفلسطينية بعد ان كانت شنّت حرب "الجرف الصامد" لإسقاط هذا الوفاق ولتخليد انفصال غزة عن الضفة. وعادت لاعتبار ابو مازن شريكًا لمفاوضات السلام، بعد ان كانت قد اعتبرته "ارهابيًا ومخربًا دبلوماسيًا". ووافقت على اتفاق وقف النار ومفاوضة فلسطين مجتمعة على القضايا الاساسية بما فيها تخفيف ومن ثم انهاء الحصار. هذا بعد ان كانت قد اعتبرت تلك الامور مجتمعة التي ورد ذكرها سابقًا: "خطرًا استراتيجيًا وجوديًا على إسرائيل"(؟!).
لم يكن بالإمكان ان يحدث هذا لولا الصمود والمقاومة وتدفيع اسرائيل الثمن على فائض قوتها – فائض جرائمها. لقد ثبت لفلسطين وللعالم ان اسبرطائيل ليست فقط لا تفهم الا لغة القوة وانما كونها غبية ايضاَ، بل شديدة الغباء.
*من هو الغبي؟!*
يقول مثل سلافي ان "من يحمل الشاكوش في يده يظن ان كل مسألة تواجهه هي مسمار". وما عليه الا ضرب المسمار ضربات متتالية ليحل المشكلة. لكن المسائل السياسية والاجتماعية لا يجري حلّها بالضرب وانما بالمعالجة الجذرية.
اسبرطائيل لا تجيد الا الضرب بالشاكوش. وشاكوشها قد يكون طائرة او صاروخًا او دبابة او خطفًا او سجنًا او اغتيالًا او حصارًا، او كل هذا معًا. وهي لا تعي ان كل ضرباتها العنيفة على مدى 66 عامًا لم تزد القضية الفلسطينية الا بروزًا وعنفوانًا. وهذا وحده كفيل بأن يعلّم حتى ابن الستة والستين... حمارًا، ان المطلوب للحل هو سياسة حكيمة لا ضربات مُحكمة "لقنابل ذكية".
لاحظت في طفولتي في قريتي الفلاحية ان الحمار يدور في الدائرة نفسها منطلقًا من النقطة نفسها وعائدًا اليها، وهو يجرّ وراءه لوحًا للدرس – موضوعة عليه أثقال أو واقفًا عليه اشخاص ليشكلوا ثقلًا كفيلًا بدرس السنابل – فصل القش عن الحبوب. هكذا يفعل ايضًا "بغل الحنانة" في سيرانه لانتشال الماء، وقد يضعون على عينيه غطاء لحجب رؤيته ولإلزامه على الدوران في الدائرة نفسها.
لا تتسرعوا بالحكم عليّ بأني أشبّه حكام اسرائيل بالحمير والبغال. حاشا البغال والحمير من هكذا تشبيه، لأنها مسيّرة لا مخيّرة. وهي في دورانها تفصل لنا البذور عن القش وتنشل لنا الماء. اما حكام اسرائيل فيهدمون القش والبذور – العمارات على ساكنيها. ولا يتركون لنا من شيء للانتشال من تحت الانقاض الا اشلاء مقطعة من أجساد بشر – ناس كانوا أحياء. ودوما يطل علينا فتى دام مغبّر من تحت الانقاض. يجمع بقية قوته متثاقلًا لرفع يده المرضوضة راسمًا شارة النصر   بأصبعيه.
من هو الغبي؟ تساءل اينشتاين. وأجاب: " الغبي هو الذي يكرّر مرة تلو الاخرى الحل نفسه الذي فشل في حل المسألة، آملا النجاح". لا اعرف ان كان السبب لرفض اينشتاين العرض عليه بأن يقبل ان يكون الرئيس الاول لدولة اسرائيل، هو رفضه بأن يكون في صحبة الاغبياء. لكني اعرف ان مَنْ أتانا بغباء حل "الجرف الصامد" للمسألة، ظانًا ان صموده في مواصلة التدمير والقتل سيؤدي الى جرف وقبر القضية، حصل على صمود مضاد جرف حلّه الغبي المكرّر وأعلى من شان ودور حكمة المقاومة وبقاء القضية.
أما الجواب على السؤال من الذي انتصر في هذه الحرب، فنتركه لمقال ثانِ تالٍ.
تنويه: يُنْصح الرجوع لمقال سابق لي عن الحرب على غزة، وهو بعنوان "أنا الطفل – الوطن المخطوف"، وكانت "الاتحاد" نشرته بتاريخ



15.07.2014. (انتهى)

قد يهمّكم أيضا..
featured

عن المحبة والرضا: تغيير الذات يبدأ بقبولها (2)

featured

تونس ومصر تتصديان للارهاب

featured

مبارك ينطق كفرًا ويضلّل منهجيًا

featured

أبو سنان، ستبقى بلد الأخوة والتفاهم والشعب الواحد رغم الجراح

featured

ليتروّ "التجمّع" ولو قليلا

featured

الاغتراب آفة – ولكن؟!

featured

الهدم وتجربة يوم الأرض!