عن المحبة والرضا: تغيير الذات يبدأ بقبولها (2)

single

*توفير أجواء من القبول والحوار لأولادنا إنما يساعدهم على أن يعوا أنفسهم ويدركوا ويتقبلوا نقاط ضعفهم أو نواقصهم عندها يكون بالإمكان أن يعيدوا لنظر ويقوموا بتغيير أنفسهم وتطويرها بشكل صحيح وصحي*

كثير من الناس يريدون تغيير بعض الصفات في شخصيتهم. فالبعض يريد التخلص من الخجل أو عدم الثقة بالنفس وآخرون يريدون التخلص من نواقص معينة أو من ضعف أو فشل. كيف يفعلون ذلك؟ هنالك طريقة سائدة يتبعها كثيرون وهي رفض هذه الصفات ومحاولة التعالي عليها والتصرف كأنها غير موجودة. عادة تؤدي هذه الطريقة إلى تفاقم هذه المشاكل أو النواقص بدل تخفيفها.

 

من المهم أن نعي بأن لا أحد كامل على هذه الأرض ولكل منا نواقصه ونقاط ضعفه، أما رفض هذه النواقص ومحاولة اقتطاعها إنما تكون كمن يريد سنة كلها ربيع بدون حر الصيف أو برد الشتاء، أو يريد وردا بدون شوك أو زهرة لا تذبل أبدا. كل هذه التوقعات هي ببساطة غير واقعية أما محاولة تطبيقها في الواقع تجعل أصحابها يخجلون من خجلهم ويخافون من خوفهم ويتعصبنون على عصبيتهم مما يزيد مشاكلهم تفاقما.

 

في اللحظة التي يقبل فيها الشخص حقيقة كونه غير كامل ويقبل نقاط ضعفه ونواقصه عندها تبدأ عملية التغيير الحقيقية. حين يكف الإنسان الخجول عن محاولة إخفاء خجله يبدأ خجله بالتراجع. أعرف محاضرين يبدأون محاضرتهم بالتصريح للجمهور بأنهم يشعرون بالخجل أو الارتباك أو الخوف. بعد هذا التصريح الذي فيه قبول لهذه الصفات واعتبارها طبيعية بحكم كون ذلك المحاضر إنسانا غير كامل، تتلاشى مظاهر الارتباك وتظهر علامات الثقة بالنفس. كذلك لا يمكن التغلب على العصبية وانفجارات الغضب لدى شخص ما إلا إذا تم الاعتراف بهذه الصفات وقبول وجودها. فقط بعد هذه المرحلة يكون بالإمكان معالجتها وضبطها إن أراد. أما نكرانها أو الغضب عليها فيؤدي إلى تفاقمها.

 

إن قبول الشخص لصفاته السلبية تعني أنه يقبل نفسه بكليتها بإيجابياتها وسلبياتها مما يزيد وعيه لنفسه وتماسك شخصيته مما يكسبه قوة تساعده على التغيير. أما إنكار هذه الصفات إنما تجعله يصرف طاقاته على الاختباء والدفاع عن النفس بدل صرفها على التغيير والتطور.

 

لكي ننمو ونتطور، نحن بحاجة لأن نقبل أنفسنا كما أننا بحاجة لقبول الآخرين لنا. قبول الآخرين لنا لا يعني موافقتنا على كل ما نفكر أو نفعل، بل تعني توفير جو تعددي يعطينا الحق بأن نكون مختلفين دون أن نخشى النقد أو المقاطعة أو العقاب. حين يفرض على جميع الأفراد في داخل المجتمع أن يكونوا نسخا طبق الأصل من بعضهما أو من نموذج فكري واجتماعي واحد عندها تقمع طاقاته الفكرية والإبداعية وينحدر المجتمع نحو السقوط أو الجمود.

 

بعكس ما يعتقده الكثيرون فإن الموقف الرافض والناقد للآخر (للأبناء مثلا أو للزوجة) لا يؤدي إلى التغيير الحقيقي لديه بل في أحسن الأحوال يؤدي إلى تغيير ظاهري أو إلى انشغاله بالدفاع عن النفس وإخفاء الصفات المرفوضة بدل تغييرها بالفعل. أجواء الرفض والنقد تحول دون إجراء محاسبة ذاتية حقيقية وإعادة النظر وبالتالي تحول دون التغيير. أما حين يشعر المرء بأنه مقبول بنقاط قوته ونقاط ضعفه وأنه حر بين إبقائها أو تغييرها عندها يجرؤ المرء على إعادة النظر بعمق وإعادة بناء نفسه من جديد.

 

كل تغيير نابع من ضغط خارجي أو رفض أو نقد خارجيين يبقى تغييرا سطحيا غير مذوّت يحصل لحماية جلد صاحبه من الآخرين بوجودهم فقط. وإن حقق هذا الضغط تذويتا لموقف جديد فمن الممكن أن يؤدي هذا التذويت إلى نشوء صراعات نفسية داخلية بين حقيقته من جهة وبين القيم المذوته بتأثير الضغط والخوف، يكون ثمن هذه الصراعات معاناة نفسية شديدة. هكذا يحصل مع كثير من الأولاد الذين تربوا في أجواء النقد والرفض والمحاسبة. هؤلاء الأولاد إما أن يتمردوا على الطوق وينحرفوا عن الطريق وإما أن يذوتوا القمع ويعانون عوارض نفسية مختلفة. أما توفير أجواء من القبول والحوار لأولادنا إنما يساعدهم على أن يعوا أنفسهم ويدركوا ويتقبلوا نقاط ضعفهم أو نواقصهم عندها يكون بالإمكان أن يعيدوا لنظر ويقوموا بتغيير أنفسهم وتطويرها بشكل صحيح وصحي.

 

الغريب أن كثير من القمع يجري باسم الحب. في حديثي مع من يطرقون باب عيادتي لتلقي المساعدة أرى أن الكثيرين يسيؤون فهم الحب. زوجة تقول أنها تحب زوجها بينما يكون معظم ما تقوله عنه أو تعبر عنه بلغة جسدها نحوه هو نقد سلبي وامتعاض من معظم ما يفعل. كيف يكون الحب لدى زوجة كهذه. في تحليلي لهذه الحالات يتبين بأن الزوجة أحبت صورة رجل آخر تخيلت خطأ أنه هو ذلك الزوج. لقد حطـّت أحلامها وخيالاتها على جسم ذلك الرجل دون أن تقرأه كما هو وتفحص مشاعرها تجاه من هو بالفعل. هكذا تبدأ علاقة الحب بين الكثيرين. كل طرف يحب صورة متخيلة رسمها عن الآخر دون أن يفحص مدى تطابقها مع ذلك الآخر. بعد الارتباط يبدأ كل طرف باكتشاف الحقيقة ويدرك أن هذا الطرف لا يطابق الصورة التي أحبها. عندها تبدأ مرحلة الصراع التي يحاول فيها كل طرف جعل الآخر يطابق الصورة التي أحبها. وكلما فعل ذلك يتبين له أكثر وأكثر بأن هذه الصورة لن تتحقق في ذلك الطرف. الأنكى من ذلك بأن لا أحد من الأطراف عادة يتدارك خطأه ويباشر بقراءة الطرف الآخر كما هو ويقبله كما هو، بل إن معظم الأزواج يعتقدون بأن الطرف الآخر لم يف بوعده وتغير عما كان. وطبعا هذه التهمة لا تسعف أبدا في بناء العلاقة بشكل أفضل. الحب الحقيقي بين الأزواج هو بقبول الطرف الآخر كما هو وليس في محاولات نحته ليطابق الصورة المتخيلة. حين تتوفر أجواء القبول يبدأ الحب الحقيقي وتبدأ عملية التغيير لدى كل طرف وفيما بينهما لتنمو هذه العلاقة وتتطور ولينمو كل طرف بداخل هذه العلاقة.

 

في حديثي مع الأهل كثيرا ما أجد الحب يتحول إلى صراعات ومحاولات سيطرة. في لقاء مع والدين مثقفين سردا قائمة طويلة من الشكاوى عن ابنهم المراهق. كلاهما أكدا حبهما له وخوفهما عليه وبالرغم من ذلك هم لا يرون فيه إلا "مشكلة البيت" كله بسبب تقصيراته الدراسية وبسبب انشغاله بمظهره ولباسه غير التقليدي وبسبب ابتعاده عن اللقاءات الأسرية وانغماسه في الانترنت. بعد تلقي قائمة الشكاوي سألتهما هل يجدان فيه شيء إيجابي أو حتى عادي فلم يستطيعا الإشارة إلى شيء كهذا. إن هذا المراهق طبعا إنسان يحمل صفات وكفاءات عديدة ويعيش مشاعر وتجربة حياة يقوم خلالها بمئات التصرفات اليومية الإيجابية أو العادية ومع هذا والداه لا يريان فيه إلا "مشكلة البيت". كيف يستوى تصريحهما بحبه مع نظرتهم السلبية ومع نقدهم المتواصل له. ماذا يحبان فيه طالما أنهما لا يريا أي شيء إيجابي. مرة أخرى يتبين أنهما أحبا صورة الإبن الذي تمنياها والتي لا تطابق تماما حقيقة ابنهما. أما ابنهم كما هو فهو لا يحظى بحبهم بل بنقدهم ومحاولات السيطرة عليه بالرغم من كونه إنسانا عاديا فيه الكثير من الصفات الجميلة. هم في الحقيقة يتعاملان مع ابنهم على أنه مادة خام كالطين ويريدون صنع التمثال الذي يتمنياه من هذا الطين. حب الوالدين الحقيقي هو بقبول أولادهم كما هم. بالانتباه إلى إيجابياتهم والتعرف على خصائصهم التي كثيرا ما تكون مختلفة عما كان الأهل يتمنون. حب الوالدون الحقيقي يكون بتفهم نقاط ضعف أبنائهم وتفهم صعوباتهم ومرافقتهم في حياتهم وليس بالسيطرة عليهم ونحت شخصيتهم لأن الأولاد ببساطة ليسوا مواد خام. في أجواء القبول هذه يستطيع الأولاد بناء أنفسهم وشق طريقهم وتحقيق ذواتهم التي غالبا ما تكون جديدة مختلفة عما تمناه الأهل وهذا ليس بالأمر السيء.  

    

نصائح عينية:


لا تطلب الكمال من نفسك أو من أحد آخر، بل اقبل نفسك وغيرك وتسامح معهما
بداخل كل إنسان شيء جميل يجب إدراكه عندها تبدو الجوانب المزعجة بحجمها الطبيعي
التغيير يبدأ بقبول الوضع القائم لا بإنكاره أو رفضه أو محاربته

(يتبع: حب الآخرين يبدأ بحب الذات)

يمكن مكاتبة الكاتب على: psy@marwandwairy.com

قد يهمّكم أيضا..
featured

للانسان كرامته، من يضمنها؟

featured

عارهم في ليبيا

featured

جمال العرب في الذاكرة

featured

"أبونا عوّاد" أيقونة عبلينيةّ

featured

"الحساب عند زك الصرامي"

featured

الثورة المتجددة في مصر

featured

نتنياهو يهرب الى الانتخابات

featured

واجب القائمة المشتركة، لأنّ المقاطعة موقف!