وداعًا صاحب الصوت الكهنوتيّ الجميل، المموسق الهادر نحو السماء، والمشنّف للآذان، في ترانيم الأعياد والأفراح.
كم عذبة بصوتك المجلجل الرنّان بركة العروسين "بالمجد والكرامة كللهما " التي ربطت بها بالرباط المقدّس، قلوب مئات الأزواج العبلّينيين، على مدار مشوارك الممتد زهاء نصف قرن .
رهنت صوتك للصلاة ووزّعته بحنجرتك الحريرية بتنويعات ألحانها، أربعة عقود ونيّف.
سكنت حنجرتك الصلوات والترانيم الربانية الهادلة بـ "المجد لله في العلى وعلى الأرض السّلام وفي الناس المسرّة".
أعطيت للأعياد رونقا جميلا، ولأفراح الصغار ثوبا أجمل مزركشا بالسعادة والبهاء.
كبرنا على صوتك الصلويّ العذب، المنثال من الأعالي، كحبات مطر من ديمة سكوب.
بكلماتك الهادلة بالمحبة والسلام والتسامح، جعلت سماءنا جميلة، ونهاراتنا رائعة، وأفراحنا أكثر سعادة.
بركة أنت!، وكاهن بلدة لا طائفة، وزيتونة فلسطينية وهويّة عبلّينية أصيلة! وإنسان كبير وطيّب أنت ، حاضر في ربيع الأفراح ليزيّن الحضور السعيد، وفي خريف الأحزان ليواسي الموجوعين بحرقة الفراق والرحيل.
صلواتك تناغم لحن ولغة... ولا أجمل
طوباك في رسالتك التي نذرت حياتك لها !
عرفناك رسول سلام، كاهنا مثاليا يُحتذى به، و عنوانا مضيئا وهوية حضارية مشرّفة، للإنسان العصاميّ النزيه ، المسكون بمحبة الناس.
كرّست في حقول الخيار أوّلا – البحر العبلينيّ الأخضر في الزمن الجميل – بين أهلك وزملائك الفلاحين، ثمّ في المدرسة بين تلامذتك ، وفي الهيكل المقدّس، الذي صليت فيه عقودا، فكنت الكاهن، ونعم الكاهن !
نقرأ فيك وفي مسيرتك الطويلة العريضة فصولا صعبة وجميلة من تاريخ بلدتنا الطيّبة، وخارطتها البشرية الأجمل، مثال التآخي والالفة والطيبة.
صفحات جميلة أنت في كتاب عبلين التي أحببتها وأحبتك،وكلمة عذبة ومحبوبة في قاموسنا اليوميّ.
جسّدت لنا صورة ومرايا عبلين الماضي الجميل، الصغيرة عددا، الكبيرة حضورا وتأثيرا في الزمن الصعب، السبّاقة في المناحي الاجتماعية، العلمية والأدبية والسياسية.
أنت بطاقة اجتماعية رائعة، وهويّة إنسانية ووطنيّة مخلصة،لا تعرف التعصّب والتلوّن والفواصل وعلامات الترقيم.
أنت مثال رائع للتسامح والتآخي الصادق والمشرّف في القاموس العبلينيّ المميّز.
عشت معروفا ومعرّفا بـ "ابن عبلين" قاطبة وابن شعب طيّب لا ابن طائفة وعائلة... نبذت التجزيئية والتعصّب .
مفخرة و قامة عبلينية شامخة، حضورها بهيّ وكبير ، حديثها مشوّق وجذّاب وهادف، لها دور كبير في صقل الهوية العبلينية الاجتماعية، والتحلّي بالأخلاق، والحفاظ على الوحدة ونشر الوعي.
حين يرحل من رسم لعدة أجيال فسيفساء جميلة، من المحبة والتآخي والنسيج الاجتماعي الرائع، بين أبناء البلدة الواحدة، على جميع تشكيلتها القزحية وتنويعتها الطائفية والحزبية، يحدث شرخ كبير، وينزاح جبل من مكانه، ويسود الفراغ.
قاسٍ وموجع رحيل الكبار الطيّبين أمثالك !
عبلين تبكيك حسرة ولوعة، وتضعك في سواد العيون.
وداعا صاحب الصوت الشّاجيّ المفتّت للقلوب في صلواتك وترنيماتك الحزينة.
تسحّ الدموع من مآقي الجموع، وهم يسمعونك بصوتك العاطفيّ الآسر ترتّل ترتيلة الوداع الأخير :
يا جميعَ الإخوةِ والأحباء، والمعارفِ والأقرباء، متى شاهدتُموني، مُلْقى بلا صوتٍ ولا نَسَمَة، أُبْكوا عَلَيَّ جميعُكم. بالأمسِ كنتُ معكُم أُحادثُكم، فدهمَتْني ساعةُ الموتِ الرَّهيبة. تعالوا يا جميعَ مُحِبِّيَّ وقَبِّلوني القُبْلَةَ الأخيرة. فإنّي لَنْ أعودَ أسيرُ معكُم ولا أُخاطِبُكم. بل أنا ذاهبٌ إلى الدَّيّانِ حيثُ لا مُحاباةٌ. هناك يقفُ معًا، في مَنْزِلَةٍ واحدة: العبدُ والسَّيِّدُ، المَلِكُ والجُنْدِيُّ، والغَنِيُّ والفقيرُ، لأنَّ كُلا منهُم توليهِ أعْمالُهُ الشَّخْصِيَّةُ المجدَ أو العار. فأطلُبُ إلى الجميعِ مُبْتَهِلا أنْ يتَضَرَّعوا إلى المسيحِ الإلهِ لأجلي بلا انْقِطاعٍ، لكي لا أُساقَ إلى مكانِ العذابِ الذي تَسْتَوْجِبُهُ خطاياي، بلْ يُرَتِّبُني حيثُ نورُ الحياة.
تعطّرت عبلين وتباركت بأمثالك !
مع رائحة البخور ورنين الأجراس وترانيم الأعياد والمناسبات السعيدة ، ستبقى ذكراك تضوع مسكًا وطيبًا!