في أيام الشهر الفضيل الأخيرة وبعد ماراثون لا متناهٍ من الطبخ والنفخ والزيارات والاستضافات والعزومات ، تتسارع النسوة لإنهاء الشهر الغني بالسعرات الحرارية لينجحن في المهمة الأخيرة في رمضان، وهي تحضير كعك العيد المشهور، حيث ترتفع بسرعة نسبة المنافسة بينهن في العمل والإتقان، الجمال والمذاق، هذا النوع من الحلويات يصنع في الأعياد فقط، أحبه جدا وليس لأنه لذيذ فحسب، بل لأنه يمثل في نظري كل ما هو جميل في الإنسان وفي المرأة خاصة.
لقد تعودت صناعة الكعك أربع مرات في السنة قبيل عيد الأضحى وعيد ميلاد السيد المسيح والفصح المجيد وفي آخر رمضان، نعم ،أربع مرات، لقد كبرت وترعرعت في قرية طرعان الجليلية حيث كانت طقوس تحضير الكعك طقوسا جميلة ومليئة بالمحبة والتآخي، فقد كانت تحضر إلى بيتنا المعلمة فهيمة وبناتها- رغم أنهن مسيحيات- في "يوم الكعك المشهود"، أمي وبناتها بمن فيهن أنا صائمات نجلس لساعات طويلة نصنع الكعك ونزينه بالملقط المزركش، وكانت مهمتي كطفلة أن أحضر أصابع العجوة، فأمي لم تسمح لي بغير ذلك، وأما النساء البالغات فيصنعن الكعكات الدائرية الواحدة تلو الأخرى، كنت أحب مجلس الكعك لأتعلم من أمي وصديقة عمرها أم عبدو ما هو أكثر بكثير من صناعة الكعك، تعلمت كيف تصنع الصداقات، كيف يكون معنى الاحترام بين الأديان، حين ترفض أم عبدو شرب القهوة أبدا، لان أمي صائمة، وكيف تصوم هذه السيدة الرائعة في يوم الكعك احتراما لبيتنا ومشاعرنا، ولكن أمي كانت ترجوها أن تذوق الكعك الطازج لتطمئن انه لذيذ، وهي ترفض لأنها لا تأكل في هذا اليوم، تعلمت أيضا أن الكعك بشكله الدائري يرمز لإكليل الشوك الذي توج به رأس السيد المسيح على الصليب، هذه هي قصة صناعة الكعك المسيحية، والتي سمعتها وتقبلتها رغم أننا لا نؤمن أن المسيح صلب أصلا.
ومع أن للشعوب الإسلامية في جميع دول العالم قصصا مختلفة حول عادة صناعة كعك العيد بشكله المدور، لم يمنعنا هذا التاريخ المتناقض من التقارب من بعض والتآخي الجميل بين النسوة والعائلات بحكم الجوار والإنسانية . كانت هذه الجلسات المليئة بالتمر والطحين والزبدة تفوح منها رائحة السعادة المخبوزة في فرن الحياة البشرية، فيها تعلمت كيف تضحك النسوة من أنفسهن ومن قصص الأولاد والأزواج غير المتعاونين، تعلمت كيف يشعرن بالأمان والحب مع بعض. مرت السنوات ودارت بي الأيام لأجد نفسي أعمل في اللد العزيزة، أزور صديقاتي في الرملة الجميلة وأتسوق في السوق البلدي، هنا وهناك لأسمع فيه العبرية والعربية باللهجات المختلفة، أحاور فيه النساء المسيحيات والمسلمات من الشمال إلى الجنوب نناقش "المعيار" الأمثل لتحضير الكعك الأنجح، وهنا تدخل سيدة يهودية مغربية للحوار وتسرد ذكرياتها مع جاراتها المغربيات في تحضير الكعك من السميد هناك في آخر العالم وتتحسر لأنها تركت المغرب الجميل لتأتي لإسرائيل وتعيش جو الكراهية والعنصرية، في نهاية اليوم، ارجع إلى بيتي الصغير لأشارك صديقاتي من اليهوديات والمسلمات والمسيحيات في واحة السلام تذوق أنواع الكعك، واسمع التعليقات والتبريكات والتهاني بالعيد القريب. بعد ربع قرن من الزمن وجدت نفسي اجلس مع صديقاتي لنحضر الكعك في بيت جارتي سهير منير، أم فؤاد قبل عيد الفصح ونصنع الكعك حتى ساعات متأخرة من الليل، فهي ستسافر بهذا الكعك إلى أوروبا لأعز الناس.
لقد وصلت إلى قناعة أننا نحن النساء من نصنع الحياة والسعادة، ولكي نعيش معا علينا أن نحترم بعضنا ونحاول جاهدات أن نتقرب من بعض، إننا نملك الكثير من المشترك وعلينا أن نتعاون ونستثمر فيه لكي نبني مجتمعا متسامحا وآمنا لنا ولأطفالنا. أعزائي المسيحيين زوروا جيرانكم في العيد، وأحبابي المسلمين أرسلوا القليل من الكعك لأصدقائكم المسيحيين، سوف تسعدون بكمية الرضا والحب التي ستملأ قلوبكم، هذه هي أخلاقنا كعرب، وهذه هي عاداتنا الجميلة، في شعبنا خير كبير وحب عظيم لبعضنا وعلينا أن نظهره لأولادنا، نمارسه ونتحدث عنه فهو موروثنا الثقافي والحضاري الفلسطيني وهو حجر أساس في بناء مجتمعنا الصامد.
كل عام وأنتم جميعا، جميعا بخير.
