سنظلّ نشتاق إليك!

single

أخي القس شحادة الحبيب!
أكادُ أسمعُهُ ربَّ العِزّةِ والمجد، يخاطِبُكَ قائلاً: " يا شحادة حبيبي، لقد وجدتُكَ أمينا على القليل، فسأُقيمُكَ على الكثير. أدخلْ إلى فرح ربِّك"!...
     فما هو هذا القليل الذي وجدكَ الله أمينا عليه، ليأتمنَكَ على الكثير، ويمنحكَ جائزةَ الفرح العلويِّ بجواره؟
     سأُحاولُ، رغم صعوبة الإجابة على هذا السؤال، بسبب أَحكام الله غيرِ المُدرَكة، أن أعرِضَ أمام الله والناس، ما أعرفُهُ عنك من خلال صداقة حميمة، وعملٍ مشترَك امتد عبر سنوات طويلة، وفي رحلة خاصّة ومميَّزة إلى اليونان مع أخينا قدس الأب عطاالله مخولي، تسنّى لنا أن نستعرض حياتنا الأُسَريّة كأطفال وفتية وشباب...
    منذ نعومة أظفاركَ، يا أخي الحبيب، تعلّمتَ أن تحمل همَّ الحياة وصعوبة العَيْش في أسرةٍ كبيرة، وأن تكون بارًّا بوالديْك، أنيسا في تعاملك معهما ومع إخوتكَ وأخواتك... وبعد أن أنهيت الدراسة في المرحلة الابتدائية، ولكونك كنتَ طالبا جديّا، انتقلتَ إلى الثانوية، وبعدها أرسَلَتْكَ كنيستك الإنجيلية الأسقفية لدراسة العلوم اللاهوتية في الهند، بناءً على رغبتكَ واستعدادك...
     وفي الهند، ومِِن خلال دراستك اللاهوتية، وتعَمُّقِكَ في قِيَمِ الإنجيل المقدَّس، ومواقف السيد المسيح وتعاليمه، وجدتَ، أنّكَ ينبغي أن تكون حيثُ يكون هو: إلى جانب المظلوم والمُهَمَّش والمحتاج والمُتَألّم أبدا... وتعلّمتَ أن لا تقاوم الشرَّ بالشرّ، وأن تغفرَ للناس زلاّتهم، ولا تدينَ أحدا، أو تُفرِّق بين عِرقٍ ولونٍ وجنس!
     خَدَمتَ اللهَ ونفوسَ أبنائِهِ بكل المحبّة والرحمة. ولم تُشْغِلكَ الفوارقُ الدينية، والاختلافاتُ بين الكنائس عن محبة الجميع، دون التفات إلى الانتماء الديني أو الطائفي... وعندما أردت أن توسِّع دائرة عطائك وخدمتك، وجدتَ في الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، وفي لجنة الدفاع عن الأراضي، الإطارَ الأنسبَ للقيمِ التي تحمل، ولإيمانكَ بأن الدفاع عن الأرض إنما هو دفاع عن الشرف والوجود، وأن النضال ضد احتلال أرض الغير، وضد محاولات إذلال الشعب المحتلّ، واستهداف حريته وأمنهِ ولقمة عيشه، ينبغي أن يكون نضالا مشتَرَكا مِن قِبَلِ كل شرفاء الأرض، وبالذات بين عرب ويهود هذه البلاد، في ما يختص بقضية شعبنا الفلسطيني وخلاصه من براثن الاحتلال...
       إننا شهودٌ، يا أخي الحبيب، على استقامتك وتجرّدك وتمسُّكِكَ بالمبادئ والقيم التي آمنتَ بها... شهود على محبتك التي لا تعرف الحدود أو الشروط، وعلى تواضعك واحترامك للآخر أيٍّ كان... عرفناكَ رجل دين منفتحٍ لا يعرف التعصّب أو القوقعة طريقا إلى مواقفك! كذلك ظلّت همومُ شعبنا أبدا في مقدمة اهتماماتك... ففي منتصف العقد الأخير من القرن الماضي، بدأنا معا، بناءً على اقتراحك، في تأسيس جمعية "رجال دين من أجل السلام"، من مختَلف الأديان والطوائف، عربا ويهودا، وسعينا إلى التعبير عن رغبتنا في وقف العنف، وإحلال السلام العادل بين شعبَيْ هذه الديار... كنتَ قائدَ هذه المسيرة، لكنّك لم تفرض رأياً أو أُسلوباً على زملائك، بل تعاونتَ مع الجميع، وسعيتَ إلى القرار بالإجماع... وكم من مرّةٍ أيها الحبيب تساءلتَ بهمسٍ إليَّ، كيف يجوز لإنسان أن يكون رجل دين، ولا يسعى بكلّيتِهِ إلى السلام!!
***
     ويا أخي الحبيب الذي ارتحل!
     لقد كان رحيلُكَ بالجسد مؤلما ومفجعا... لم ينتظرْه أحد ولم يتوقعه! ومع هذا فإننا نقبل إرادةَ الله ومشيئتَهُ القدوسة بمحبةِ المؤمنين وثقتهم بأنَّ ما حدث، هو سماحٌ من لدُنه تعالى... لقد تاجرتَ، أيها الحبيب، بالوزنات التي منحكَ إياها الله، وَوُجِدْتَ نشيطا وأمينا في كل ما عهِدَ الله به إليك.. لذلك، اخالُ أنّ نفسَك ستستريح مع نفوس الأبرار والصدّيقين."فطوبى لمن اختاره الله وقرَّبهُ ليسكُنَ في ديارِه..."
     نمْ في هدوء يا حبيبنا...ستبقى في قلوبنا وصلواتنا ما حيينا، وسنحاول أن نكمل المشوار. إننا نحبُّك كثيرا، وسنظل نشتاق إليك!

 


 ( المكر )

قد يهمّكم أيضا..
featured

هل حرب داحس والغبراء عادت لتطل علينا من جديد ؟؟!

featured

اليسار بين مطرقتي فتح وحماس

featured

انتهازية تسيبي ليفني..!

featured

فلسطين تُبعث من جديد

featured

آدابٌ من المفيد مراعاتها

featured

عرب يا رسول الله

featured

الجمعيات الخيرية وحساسية وزير الرفاه