* في السنوات الأخيرة راحت العربدة السلطوية سواء كانت في غزة أم في رام الله، ضد فصائل فلسطينية مختلفة تتزايد، والاعتداءات عليها تتم بذريعة "فرض النظام والأمن"، ولكن أمن من؟*
من يتابع حملات القمع السياسي الفلسطيني الداخلي في الضفة الغربية وقطاع غزة، من قبل الأجهزة "الرسمية" بتسمياتها المختلفة، تلك التابعة لحركة فتح أو تلك التابعة لحركة حماس، يتخيل للوهلة الأولى، أن "جمهورية فلسطين العظمى" باتت على شفا الحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن الدولي، أو حتى أن قواتها باتت مطلوبة في كافة أنحاء العالم من أجل فرض النظام.
وكما يبدو فلا يكفي تورط التنظيمين، حماس وفتح، في صناعة واحدة من أكثر المراحل ظلمة في مسيرة الشعب الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال الشرس، ومسؤوليتهما المباشرة والحصرية عن حالة الانقسام والتناحر الداخلي التي تنهك قوى الشعب الفلسطيني، ليس فقط في الوطن المحتل، بل في جميع أماكن تواجد الفلسطينيين في مواقع اللجوء القسري، وحتى بين الجاليات الفلسطينية في دول الغرب، فالانقسام سيد الموقف في جميع المواقع.
في السنوات الأخيرة راحت العربدة السلطوية سواء كانت في غزة أم
رام الله، ضد فصائل فلسطينية مختلفة تتزايد، والاعتداءات عليها تتم بذريعة "فرض النظام والأمن"، ولكن أمن من؟ فأي تنظيم عدا حماس فلت من حملات القمع في قطاع غزة المحتل، وكذا الأمر بأذرع فتح في الضفة الغربية المحتلة.
وفي الأسبوع الماضي تسللت عناصر تابعة لحركة فتح، والأجهزة "الأمنية" التابعة للسلطة إلى اجتماع شعبي في رام الله ضد استئناف المفاوضات، دعت له قوى اليسار الفلسطيني، الجبهتان الشعبية والديمقراطية، وحزب الشعب، ومعهم شخصيات فلسطينية مستقلة، ليعتدوا على المشاركين والصحافيين، من أجل كتم الصوت المعارض.
فحتى وإن سارعت حركة فتح إلى استصدار بيان استنكاري، فإن هذا لا يعفيها من المسؤولية، والقناعة مؤكدة أن عناصر متنفذة في الأجهزة "الأمنية" الفلسطينية في رام الله، تقف وراء هذا العدوان الترهيبي المقزز، إلا إذا أراد أحد ما إقناعنا بأن الحماسة السلطوية، دخلت هي الأخرى قطاع الخصخصة، وأن "فردا" ما أخذ على نفسه مسؤولية القمع السياسي.
وقبل أكثر من أسبوعين، نفذت عناصر "الأجهزة الأمنية" التابعة لحركة حماس في قطاع غزة اعتداءين على مقر للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، واعتداء آخر على عناصر الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وشبه التكتم الإعلامي على الجريمة لم يكن أقل جرما من الاعتداء ذاته، وكنا بحاجة لنقرأ ما تكتبه لنا الصحافية الإسرائيلية التقدمية عميرة هس، واصفة الاعتداء على ألسن شهود، وهي معروفة تماما، لكل الفصائل الفلسطينية وتحظى باحترام وتقدير الجمهور العام، فهي المقيمة في رام الله، تكتب بلسان فلسطيني، ولا تتساهل مع أي تنظيم، وليست محسوبة على أحد.
وهذا ليس الاعتداء الأول الذي تتعرض له تنظيمات اليسار في قطاع غزة، الجبهتان وحزب الشعب، منذ أن حلت علينا "أنعام" الانقسام الفلسطيني، كما أن حركة الجهاد الإسلامي لم تفلت سابقا من ملاحقات واعتداءات حمساوية كهذه.
إن كانت سلطة فتح في رام الله، أو سلطة حماس في قطاع غزة، ليست أكثر من سلطة على الضعفاء، فهي تنظم نفسها تحت سلطة وحصار الاحتلال الإسرائيلي، وكما يبدو فإن الشعب الفلسطيني بحاجة إلى أن ينتفض في داخله على هذا الواقع الجائر، الذي هو من صنع فلسطيني بامتياز، وإن اختلفت التسميات، فذاك يقول لنا إن في رام الله دايتون أميركيا، وهذا يقول لنا إن في غزة دايتون إيرانيا لا أقل، والفلسطيني المسكين عليه أن يعمل حساب الاحتلال الجائر، وفريقان فلسطينيان، يتسابقان على سلطة وهمية شكلية، لا تقوى على تأمين قوت يومها.
أما قوى اليسار، فعليها أيضا أن تعي حقيقة الوضع القائم منذ سنوات، وتراجع تأثيرها على الشارع الفلسطيني، وهي التي كانت على مدى عشرات السنين طليعة النضال والمقاومة البطولية، وأن تواصل الحوار الذي بدأ بينها، وكما يبدو توقف، والهادف إلى خلق إطار جامع وحدوي، فقادة التنظيمات الثلاثة الجبهتين وحزب الشعب، تقع عليهم مسؤولية تاريخية بإضاءة نور ما في نفق مظلم يقبع فيه الشعب الفلسطيني ويغرق.
(نُشر المقال في "الغد" الاردنية)
