*ما هي الرؤية الأوروبية لقضية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وما هي المعايير التي تُوجه سياستها؟ هل هنالك رؤية أوروبية موحدة أم العكس؟ ماذا يجري حقيقة على الساحة الأوروبية وكيف تتحرك القوى السياسية وفي إطار أية ثوابت؟ هل أوروبا واعية لما يحدث في إسرائيل، وكيف تنظر إلى ذلك؟ كيف تغيرت المواقف الأوروبية بعد حرب غزَّة؟ الاعتراف بفلسطين كدولة عضو مراقب هل سيغير الوضع على الساحة العربية والعالمية؟*
منذ نهاية الإمبراطورية العثمانية في بداية القرن العشرين الماضي، وبشكل أكثر دقة منذ معاهدة سايكس بيكو، وهي المعاهدة التي تمت بين فرنسا وبريطانيا حيث تمّ تقسيم الدول العربية في الشرق الأوسط بين هاتين القوتين المؤثرتين. منذ تلك الفترة التاريخية الحاسمة وبعدها كانت السياسة العربية تُقَرَّر في أوروبا. وحتى الآن لا زال لأوروبا دور ونفوذ كبير في القرارات التي تخص الشرق الأوسط وبالأخص قضية الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي. لكن الآن ومنذ نصف قرن بدأت أمريكا تتدخل في كل القرارات عبر أو خارج الأطر الرسمية العالمية كالأمم المتحدة أحيانًا بتوازن مع أوروبا وأحيانًا بخلاف كبير. إن ما يجري في أوروبا وأمريكا له تأثير كبير على مصير ومستقبل الشرق الأوسط وخاصة القضية الفلسطينية.
تحاول هذه المقالة إعطاء صدى الكتاب والصحافيين في فرنسا وعلى الصعيد الأوروبي فيما يخص القضية الفلسطينية خلال الشهرين الأخيرين من عام 2012.
الرئيس شارل ديغول لعب دورًا هامًا بخصوص القضية الفلسطينية نُذكِّر به، ذلك منذ عام 1967 حين أدان احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية.
فرانسوا متيران طرح منذ عام 1982 أفق إقامة دولة فلسطينية. ولنذكر أيضا ان متيران هو أول رئيس أوروبي حمى ودعم الرئيس الراحل عرفات حين خروجه من بيروت في لبنان في عام 1982.
جاك شيراك خلال سنوات رئاسته التزم بقضية السلام في الشرق الأوسط وبالدرجة الأولى القضية الفلسطينية وكانت علاقته مع الرئيس الراحل عرفات علاقة حميمة. وشيراك نقد وبقوة سلوك إسرائيل في الأراضي المحتلة كما دعا أيضا إلى السلام وإنهاء الاحتلال.
أوروبا كلها في عام 1980 اعترفت بحق الشعب الفلسطيني بتقرير المصير ونددت بالاحتلال العسكري للأراضي الفلسطينية منذ الثمانينيات، وما زالت أوروبا تساهم وبشكل سياسي ومالي لوضع القواعد الأساسية من اجل دولة فلسطينية.
ملاحظة: أوروبا الثمانينيات ليست هي نفس الكتلة إذ أضيفت إليها دول عديدة أكثر من عشر دول ومنهما الكثير من يوالي أمريكا منذ بداية هذا القرن الجديد.
ونذكر أخيرًا ان نيكولا ساركوزي صرَّح عام 2011 في الجمعية العامة للأمم المتحدة: "لماذا لا ننظر إلى فلسطين كدولة وعضو مراقب في الأمم المتحدة، هكذا يمكننا الخروج من الجمود الحالي، هكذا يمكننا ان نعيد الأمل للفلسطينيين ونحقق تطورًا نحو تشريع نهائي".
أما عن رئيس الجمهورية الفرنسية الحالي فرنسوا هولاند فقد وعد خلال حملته الانتخابية (وهذا مكتوب في برنامجه السياسي) "نأخذ مبادرات من اجل حوار جديد من اجل السلام بين إسرائيل وفلسطين والاعتراف بدولة فلسطينية".
من خلال هذه اللمحة السريعة نرى ان فرنسا وجزءًا كبيرًا من أوروبا كان لهم، وخاصة فرنسا، رؤية سياسية واضحة وذلك منذ أكثر من نصف قرن. وبشكل أدق في فرنسا أصبحت قضايا فلسطين مرتبطة بكل قضايا التحرر وحق الشعوب في تقرير المصير وخاصة الشعوب المحتلة.
وتُفسَّر هذه المواقف من وجهة نظر تاريخية وذلك لان فرنسا في القرن الماضي وبالتحديد خلال الحرب العالمية الثانية كانت بلدًا محتلا من قبل ألمانيا الهتلرية – لكن هل مواقف فرنسا وأوروبا تبقى ثابتة؟
لفهم ما جرى في أوروبا وموقفها من الدولة الفلسطينية وخاصة الدور الفرنسي سنطرح ذلك بالشكل التالي: فترة ما قبل حرب غزّة وفترة ما بعد حرب غزّة ومن ثم نطرح وجهات النظر في الصحف الفرنسية حول المواقف الفرنسية والأوروبية معًا.
في بداية شهر تشرين الثاني الفائت زار رئيس الحكومة الإسرائيلي فرنسا وقالت صحيفة اللوموند بعنوان كبير: نتنياهو في زيارة لباريس ليمتحن هولاند حول الشرق الأوسط (اللوموند 8 نوفمبر 2012) في هذه المقالة للصحافي لورانت زكشيني، يقول ان هذه الزيارة شبه عادية ومتوازنة من الناحية الدبلوماسية رغم توقف عملية السلام منذ عام 2010 وهي تُشكل نقطة الخلاف الرئيسية بين إسرائيل وفرنسا كما هو الحال أيضًا بين الدول الأوروبية وإسرائيل. ويضيف زكشيني ان فرنسا تُعارض بناء المستعمرات داخل "الخط الأخضر" وفرنسا تُدين بشكل مستمر الاستعمار دون ان يغير ذلك موقف السلطات الإسرائيلية.
وقبل ذلك بأيام صرحت كاترين آشتون ممثلة الدبلوماسية الأوروبية أن "المستعمرات غير شرعية من وجهة نظر القانون الدولي".
في هذا الإطار يمكن ان نقول ان هناك "خلاف تاريخي" بين البلدين.. ويذكر زكشيني أن زيارة نتنياهو إلى باريس كان لها هدف سياسي وهو إثبات ان نتنياهو وإسرائيل ليسا منعزلين على الساحة العالمية.
لنتذكر ان نتنياهو كان قد صرّح قبل حضوره إلى فرنسا في مستعمرة جيلو "أن القدس الموحدة هي العاصمة الأزلية لإسرائيل، بنينا في القدس وسنبني في القدس". وباريس، من طرفها صرّحت ان "هذا الكلام هو استفزازي في وضع متوتر".
* إسرائيل - فلسطين: أوروبا تتنكر لأفكارها*
هذا كان عنوان الافتتاحية الصباحية لجريدة اللوموند يوم 2 نوفمبر، هذه الافتتاحية غير موقعة من أي صحافي وهذا يعني انما تُمثل رأي الصحيفة وهذا ما جاء فيها:
لأول مرة، وعلى غير عادتها أوروبا، في تصريحها في فنيسيا عام 1980 صنعت أساسا لحل مبني على أساس دولتين: اقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية بجانب دولة إسرائيل.
ثلاثون عامًا بعد هذا التصريح يخون الاتحاد الأوروبي سياسته والتزاماته... هذا الوضع مُحزن ومؤسف.. كان يجب على فرنسا ان تثور بمناسبة زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو.
رسميًّا الخط الرسمي المعلن هو أن المستوطنات غير شرعية من وجهة نظر القانون الدولي لأنها تُشكل عائقًا نحو السلام. لكن في الواقع أوروبا تُساهم في تطوير المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية.. وهذا أيضا يمنع كل الجهود من اجل مفاوضات جدية بين الطرفين.
هذه هي نتائج تقرير كُتب من قِبَل 22 منظمة حكومية أوروبية، وبلدانها تعتبر صديقة لإسرائيل.
وهذا التقرير يقول أيضا ان الاتحاد الأوروبي يستورد وبشكل هائل بضائع منتجة في المستوطنات الإسرائيلية ومكتوب عليها Made in Israel. وتقول المقالة: يكفي ان تطلب أوروبا من إسرائيل ان تضع شارة أكثر دقة. هي لا تفعل ذلك وهي مخطئة. وهي لا تخدم لا مصلحة إسرائيل ولا مصلحة فلسطين. وهذا الوضع ينسف حتى فكرة الدولة الفلسطينية.
هنا تكمن تناقضات فرنسا وأوروبا. ويمكننا ان نقول ان هذه المقالة جريئة ونزيهة وتضع فرنسا وأوروبا على محك المسؤولية.
إن أهمية هذه المقالة وبالتحديد في صحيفة اللوموند تكمن في نفوذها الكبير في فرنسا وهي مرجع وتعتبر أيضا كمرجع ومصدر فيه مصداقية لكل المثقفين ورجال السياسة في فرنسا.
تناقضات أوروبا تعود إلى أسباب عديدة نذكر منها: ان أوروبا تضم 27 دولة وكل هذه الدول وخاصة العشر الأخيرة التي انضمت إلى أوروبا ليست بنفس الأهمية كفرنسا وألمانيا وايطاليا على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي لأنها في الدرجة الأولى بُنيت على أنقاض الاتحاد السوفييتي سابقًا والتحقت بفلك الولايات المتحدة الأمريكية وتعتمد عليها ماليا، اقتصاديا وحتى على الصعيد الدبلوماسي. هذه الدول تدور في فلك السياسة الأمريكية ومرتبطة بها مصلحيًا لذلك توجد صعوبة في إيجاد وحدة نظر مع المجموعة الأوروبية الغربية.
النقطة الأخرى هي أن الدول الأوروبية القريبة لها مصالح أيضًا مختلفة فالبعض منها يود التقرب أكثر فأكثر من السياسة الأمريكية والبعض الآخر يتردد والأخير يحاول ان يكون له موقف مستقل.
الدفاع عن المصالح يغلب في أكثر الأحيان الدفاع عن المبادئ.. إذًا "كل إناء بما فيه ينضح" كما يقول المثل العربي القديم.
* ألمانيا وإسرائيل: منطق الواقعية ومنطق المبدئية
هناك خلافات حقيقية بين إسرائيل وألمانيا وخاصة في قضية الاستيطان. لكن هذه القضية لا تعني بالنسبة لانجيلا ميركل ولا تضع صُلب العلاقات بين إسرائيل وألمانيا في صيغة سؤال أو تعيق أي شيء. رغم ان ألمانيا امتنعت عن التصويت لصالح الاعتراف بدولة فلسطينية غير عضو في الأمم المتحدة في 29 نوفمبر عام 2012. وهذا محتوى ما قالته ميركل يوم 6 ديسمبر إلى رئيس وزراء إسرائيل نتنياهو بمناسبة المشاورات الأحادية بين البلدين (انظر اللوموند السبت 8 ديسمبر).
يوم الخميس (4/12/2012) كررت ميركل "ان التزام ألمانيا بجانب إسرائيل ان كانت مهددة أمنيًا". وبنفس الوقت ذكرت بأن برلين ستقوم "بجهود من اجل حل الدولتين دولة يهودية ودولة فلسطينية يجب ان يستمر" (انظر اللوموند 8 ديسمبر 2012).
في نفس الصحيفة يوم 8/12/2012 يؤكد الطرفان الألماني والإسرائيلي أي ميركل ونتنياهو بما يلي: "بالنسبة لقضية المستوطنات نحن متفقون على القول بأننا غير متفقين". وهذا المنطق تسميه الصحيفة السياسة "الواقعية" وهذه السياسة تغلب على سياسة القناعة أو المبادئ. رغم ذلك تؤكد ميركل على أن "دعمها لإسرائيل سيبقى ثابتًا ودائما".
في شهر آذار 2012 أعلن الحزب الاجتماعي – الديمقراطي أنه ابتكر "الحوار الاستراتيجي" مع فتح وتم لقاء بين ممثلين من الجهتين. وبعد هذا اللقاء الذي تم في شهر نوفمبر صرَّحا بان عندهما "قيم مشتركة".
* فرنسا بين التاريخ ومنطق الواقعية في السياسة
كما ذكرنا في المقدمة كيف أكدت السياسة الفرنسية موقفها منذ ديغول حتى الآن كان في العهد السابق (ديغول ومتيران مثلا) لها مواقف قريبة جدًا من المبادئ الأولية السياسية والأخلاقية أما الآن فمواقف فرنسا وللأسف تتردّد بين الواقعية والمبدئية.
نيكولا ساركوزي، رئيس فرنسا السابق، أكَّد على حقوق الشعب الفلسطيني وبنفس الوقت دعا إلى "تسريع التقارب مع دولة إسرائيل على كل الصعد السياسية، العسكرية والبوليسية والاقتصادية. (انظر اللوموند دبلوماتيك لشهر نوفمبر 2012). وكل ذلك تمّ على يد وزير الخارجية برنار كوشنر في عام 2008 لكن في نهاية عهد ساركوزي، ادرك ساركوزي أن نتنياهو لا يريد السلام مهما كان الثمن، كما يؤكد آلان جريش في (اللوموند 2.11.2012).
وفي قمة الـG20 في مدينة كان الفرنسية قال لأوباما: "لا أريد رؤيته، هذا كذاب" - انظر نفس المقالة.
وعندما طلبت السلطة الفلسطينية الاعتراف بدولة فلسطين في أيلول عام 2011، رفضت فرنسا هذا الاعتراف في مجلس الأمن، لكن ساركوزي طلب ان يكون لفلسطين مقعد كدولة مراقبة كالفاتيكان أو سويسرا.
بعد انتهاء حكم ساركوزي جاء إلى الحكم فرنسوا هولاند كرئيس للجمهورية الفرنسية، كيف تطورت مواقفه من قضية فلسطين ودولتها؟
(يتبع)
