نظمت لجنة الرؤساء مظاهرة احتجاجية يوم 4.8.2010 قبالة مبنى رئاسة الحكومة الإسرائيلية في القدس. وشارك النائبان محمد بركة وحنا سويد جموع المتظاهرين، وما قالاه هناك كان عين الصواب والعنوان المهم، الذي يعكس، أكثر ما يعكس، ما لم تستنفده الجهات الداعية والمنظمة لهذه المظاهرة الهامة، ويبقى هذا مطلباً ملحاً وهاماً لتتحول هذه الخطوة إلى نقطة انطلاق جدية تستهدف تفعيل قطاعات واسعة من الجماهير، التي باسمها وعنها يخوض الرؤساء معركة البقاء والعيش بكرامة واحترام.
المناشدة التي أطلقها النائبان، ومن تحدث من الرؤساء، دعت إلى أن لا تبقى المعركة مقتصرة على رؤساء السلطات المحلية والموظفين، لأن هذه المعركة هي معركة الجماهير الواسعة التي عليها أن تناضل من أجل ظروف حياة طبيعية ومتساوية مع الآخرين.
لا أعتقد أن هنالك فرصة جدية لتحويل هذه المناشدة إلى حقيقة وواقع، من شأنهما، لو تجسَّدا، أن يعكسا الوزن النوعي الحقيقي للجماهير العربية في البلاد، فأنا لا أرى كثيرا من الرؤساء قادرين على تجنيد باص أو اثنين من سكان بلداتهم ليرافقوهم وينضموا إلى مظاهرة في القدس أو في أي مكان آخر.
هنالك فجوة سحيقة بين إدارات السلطات العربية ومجتمعاتها المحلية. هنالك قطيعة حقيقية بين سكان بلداتنا ومن يسوس في سلطاتها المحلية، وهنالك انعدام احترام وتقدير بين أفراد المجتمع ومؤسساته المدنية وبين معظم الهيئات الحاكمة محلياً. (أقول معظم وليس الجميع).
كتبت في الماضي وأكرر هنا مستشهداً بما خلفته هذه المظاهرة الهامة من وقع وأثر بين جماهيرنا، وعلني لا أجازف عندما أقول أن الأغلبية الساحقة لم تسمع عنها لا قبل ولا بعد تنظيمها، وأضيف أن القلة القليلة، التي قرأت عنها خبراً أو شاهدت مقطعاً، فعلت ذلك من باب الصدفة، وبعضهم فعل ذلك مستخفاً وحتى هازئاً بما يقرأ ويشاهد.
أقول هذا وأحيي القيمين على هذه المظاهرة الهامة وفي طليعتهم رئيس لجنة الرؤساء وصحبة من القادة والمسؤولين الجادين. أقول هذا، وأعتقد أن حساباً جاداً وتقييماً عميقاً، يجب أن ترعاهما لجنة الرؤساء، من أجل تشخيص مسببات هذه الفجوة السحيقة بين الإدارات وجماهيرنا، وذلك كي يعمل من عليه أن يعمل لإزالة هذه المسببات أو بعضاً منها.
القضية الأساسية، برأيي، أن معارك الانتخابات المحلية في معظم البلدات العربية دارت وتدور رحاها بمحركات صدئة، زيوتها عكرة ومصنعة في ورشات الحمائل، وفي مصانع لا تسعى إلا لإنتاج ما يضمن من صفقات محلية، استهدف عاقدوها ضمان ربحهم الشخصي ومنصبهم المشيّد على وعودات لا يمكنهم التنكر لها، خاصة عند من يخطط ليوم الحسم القادم.
القضية هي تغييب كامل لأهمية الانتماء السياسي الوطني الواضح والصحيح، كأول وآخر ما يُلزم ويلتزم به مرشح ما. القضية هي محاسبة رئيس وإدارة عن التزامه العملي واليومي وانخراطه الحقيقي في القضايا الوطنية العامة، وهذا لن يكون إذا ارتضينا منه موقفاً موسمياً وتصريحاً نارياً في مناسبة عابرة. وهذا لن يكون أيضاً إذا لم يشعر هذا الرئيس أنه سيدفع ثمن غياب انتمائه الحقيقي لمصلحة الجماهير العامة ولمصلحة بلدته وتطورها، وهذا لن يكون إذا غفرنا لهذا زلاته وتقويضه لمجتمع بلدته وشرذمته وحرق كل ما اخضر وينع.
من يحاسب من؟ الطبيعي في نظام انتخابات عامة وحرة أن يحاسب المجتمع منتخبيه، ولكننا في صدد انتخابات محلية يتشابك فيها العام والخاص، لا سيما وهنالك من يسعى بمنهجية مدروسة وخبيثة لتغليب الخاص على العام وفردنة العلاقة بين السلطة والمجتمع.
المقلق أن السياسة الرسمية استهدفت دائماً وحدة وجماعية التلاحم في مجتمعاتنا المحلية، إلا أنها لم تسجل نصراً واضحاً في العديد من قرانا/قلاعنا كما درجنا على تسميتها، لكنها في السنوات الأخيرة بدأت تشق جدران هذه القلاع وتخلخل أساساتها. ما كان هذا يتسنى لها لولا تعاون العديد من الرؤساء وأعضاء المجالس إما مباشرة أو من خلال صمتهم المتواطئ.
على مجتمعاتنا محاسبة هؤلاء، وعلى من يرسم ويهيكل ما يسمى بالرأي العام والموقف السياسي الاجتماعي السليم، أن يأخذ دوره في التأثير على هذا الرأي وتصويب مواقف المجتمعات المحلية، ولن يكون هذا جاداً ومثمراً إلا إذا انطلقت ألسن الأحزاب السياسية الرائدة ومؤسسات مجتمعنا المدنية والنخب المثقفة والطليعية وشرعت تنطق بطلاقة ضد ما يعتري الحالة من آفات وأعراض.
يجب على هؤلاء جميعهم أن يكونوا رأس حربة في محاسبة هؤلاء الرؤساء ومن حولهم، وأضعف الإيمان يكون عندما لا يفيِّئونهم بجنحانهم ويتسابقون على ضمهم لمؤسساتهم الحزبية أو غيرها ويسبغون عليهم الشرعية ونعمة الانخراط في ما يسمى قيادات الجماهير العربية.
من يرضى برئيس أو قائمة تمارس يومياً ضرب وحدة مجتمع بلدته، ومن يرضى برئيس لا يقف سداً مانعاً أمام من يحاول تذويب الانتماء الجماعي الوطني وتغليب هويات فئوية على الهوية المجتمعية العامة، من يرضى بمثل هؤلاء يجب ألا يتوقع أن تتحول معركة لجنة الرؤساء إلى معركة الجماهير العامة.
ما قاله بركة وسويد هو عين الصواب، ولكنه التحدي أيضاً، ليس لهما فقط، بل لكل حزب وحركة ومؤسسة آمنت وتؤمن أن المجالس البلدية والمحلية هي في البداية ساحات للكرامة الوطنية وبوتقات صهر للهوية القومية، فبدونها لن تحصّل خدمات ولن تصمد قلاع. فكيف ستصمد هذه إذا أبقينا ودعمنا وخططنا مع هؤلاء وأمثالهم في المستقبل حراسة أبراج القلعة وحماية أبواب بيوتنا؟
