في الاسبوع الحالي يُستفتى أربعة ملايين من سكان جنوب السودان عبر صناديق الاقتراع، حيث سيضطرون إلى الاختيار بين ورقة تحمل صورة مصافحة وأخرى صُورت فيها يد تلوح بالسلام؛ تُبين للمصوت معنى الصور فإما الوحدة وإما الانفصال.
إذا تم استفتاء الشعب كما ينبغي فستنتخب أكثرية حاسمة أن تلوح للشمال بالسلام وأن تقسم أكبر دول افريقية الى اثنتين: شمال السودان، وفيه نحو من 35 مليون شخص، غالبيتهم من العرب المسلمين؛ وجنوب السودان، وأغلبية سكانه الـ 8 ملايين ونصف من الأفارقة، وديانتهم المسيحية أو الوثنية. ولد استفتاء الشعب بعد اتفاق السلام العام 2005، الذي وضع حدًا لحرب أهلية دامت يوبيلا، وجبت أكثر من مليونين ونصف من الضحايا، أكثرهم مدنيون.
لا تزال طريق جنوب السودان الى الاستقلال مزروعة بالألغام. وأكثرها تفجرًا هو ضرورة حسم مصير المنطقة الفاصلة المليئة بالنفط ابيي، ويفترض أن يصوت سكانها في استفتاء شعبي مستقل تم تأجيله. ومع ذلك، فان مجرد وجود الاستفتاء الشعبي الآن هو نجاح كبير وهو أحد النجاحات المذهلة لسياسة اوباما الخارجية التي عرفت حتى الآن الفشل أكثر من الانجازات.
إن ضمان استفتاء الشعب هو شق طريق في مجال "الدبلوماسية المانعة" التي تريد أن تسبق المرض بالدواء. حتى قبل نحو سنتين، كان التقدير السائد أن زعيم السودان، عمر البشير، الذي صدر ضده في العام 2008، أمر اعتقال دولي بسبب إبادة شعب في دارفور، سيحبط الاستفتاء بكل ثمن. وكان يبدو انه لا مناص من تجدد الحرب الأهلية. وهنا، إلى جانب أرباح النفط العظيمة التي عرفتها السودان في السنين الاخيرة، جعل تدخل ادارة اوباما الحثيث والدائم خطر الاشتعال المتجدد أقل احتمالاً.
إن النجاح الدبلوماسي في السودان يتوقع أن يُحرك إجراءات أميركية أيضا في الساحة الإسرائيلية – الفلسطينية. لا تزال القوة العظمى الأميركية، حتى دون هيمنة، هي الوحيدة التي تستطيع ان تدفع هذه الصخرة صعودا في الجبل. اذا نجحت في فعل هذا في السودان فستتجه بسهولة أكبر الى "صخرة وجودنا" الاسرائيلية – الفلسطينية.
إن نجاح استفتاء الشعب السوداني قد يمنح الولايات المتحدة أيضا إلهاما عمليا لعلاج الصراع المحلي – التوجه الى تسوية مرحلية في قلبها استفتاء شعبي. إن أسس هذا الاتفاق هي إنشاء إدارة ذاتية مؤقتة ذات صلاحيات موسعة، وتجميد متبادل لأعمال العنف والمطالب المتضادة، وتحريم إقرار حقائق جديدة على الأرض المختلف فيها وإجراء استفتاء شعبي ملزم.
إن هذا الطراز، بصيغ مختلفة، قد تم استعماله في عدد من الحالات، بما فيها بوجنفيل في جزر سليمان التي أرادت التحرر من بابوا – نيو – جيني؛ و"اتفاق بلفاست" (1998) على مستقبل ايرلندا الشمالية؛ وجنوب افريقية (1992)؛ واتحاد صربيا – مونتينغرو (2003 – 2006)؛ وتيمور الشرقية. اذا انضمت السودان الى القائمة فقد تكون فلسطين هي التالية.
ليس هذا طرازًا كاملاً لكنه يمتاز بمزايا جليلة: فهو يرسم أفقًا واضحًا وسريعًا نسبيًا لإنهاء الصراع، ويمنح الطرفين باعثًا ًالى الحفاظ على الهدوء في الفترة المتوسطة.
ينشئ الطراز أيضا قاعدة معيارية جديدة للسلام. فانه يصعب على القادة وعلى المعارضين حتى المتطرفين منهم، أن يرفضوا إجراء استفتاء الشعب لأنهم في ظاهر الأمر خُدّام إرادته. وبالمناسبة، يمكن أن يكون صحيحًا في الحالة الإسرائيلية – الفلسطينية ان يُجعل استفتاء الشعب استفتاء شعبين، وأن يُطلب حسم في الجانب الاسرائيلي أيضا، تستطيع الأقلية العربية فيه أن تساعد في حل الصراع.
إذا اختارت الولايات المتحدة، وتفضل الجانبان بأن يخطوا في مسار استفتاء الشعوب، فانه يجدر أن يتذكر الجميع ان مسارات بناء أمة وبناء دولة متصل بعضها ببعض. رغم استفتاء الشعب، لا يزال المجتمع في جنوب السودان ليس شعبا بل خليط كبير من جماعات عِرقية ولغوية ودينية، القاسم المشترك الوحيد بينها هو رواسب الماضي وعداوة شمال السودان. وهي باعتبارها دولة في المستقبل ليس لها منفذ بحري، وتعتمد اقتصاديا على حقول النفط المختلف في ملكيتها، متعلقة بجارتها – عدوتها. وكي لا تُجعل دولة مخالفة للقانون، دولتين فاشلتين، يجب على الجماعة الدولية ان ترى استفتاء الشعب بدء مسار لا نهايته.
* محاضر في قسم علوم السياسة في جامعة تل أبيب ("هآرتس")
