في الخامس عشر من شهر تشرين الثاني 1988، أي قبل واحدة وعشرين سنة، ارتفع صوت الرئيس الرمز خالد الذكر ياسر عرفات في دورة المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر، ارتفع صوته شامخا معلنا وثيقة الاستقلال الوطني الفلسطيني. ويعتبر هذا الاعلان منعطفا تاريخيا في المسيرة الكفاحية التحررية للشعب العربي الفلسطيني وقيادته الوطنية، اذ جرى الاعلان عن موقف سياسي حكيم جرى تبنّيه من خلال الربط الجدلي الصحيح بين مبدأ حق تقرير المصير للشعب العربي الفلسطيني المسنود بقرار الشرعية الدولية رقم (181) الصادر في العام 1947 (قرار التقسيم) والذي يقر ويثبت الحق الوطني الشرعي باقامة دولة فلسطينية عربية سيادية، الربط الجدلي بين هذا الموقف المبدئي الاساسي وبين برنامج سياسي واقعي لخيار تسوية سياسية نسبية تضمن للشعب العربي الفلسطيني ثوابت حقوقه الوطنية غير القابلة للتصرف، وفي مقدمتها وجوهرها التحرر من نير الاحتلال الاسرائيلي الغاشم ومن مآسي معاناة التشرد القسري المأساوي، واقامة دولة فلسطينية مستقلة في حدود الرابع من حزيران السبعة والستين وعاصمتها القدس الشرقية العربية، وضمان حق العودة للاجئين الفلسطينيين حسب قرارات الشرعية الدولية وخاصة القرار رقم (194).
ان هذا الموقف السياسي الحكيم الممهور بانطلاقة الانتفاضة الشعبية الفلسطينية في المناطق المحتلة، قد اكسب الحق الفلسطيني الوطني اعترافا دوليا واسعا، اذ بلغ عدد الدول التي اعترفت رسميا بحق اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة اكثر من عدد الدول التي تقيم علاقات دبلوماسية مع اسرائيل في ذلك الوقت.
لقد مر واحد وعشرون عاما منذ الاعلان عن وثيقة الاستقلال الفلسطيني ومر الشعب العربي الفلسطيني خلال هذه الفترة بمراحل كفاحية متعددة مخضّبة بدماء وبمعاناة الشعب الفلسطيني، توقيع اتفاقات اوسلو المرحلية التي حاول المحتل الاسرائيلي القضاء على ثوابت الحقوق الفلسطينية على مراحل بواسطة الاستيطان والتهرب من تنفيذ اتفاقات اوسلو، وعندما لم يرضخ الشعب الفلسطيني لاملاءات المحور الاسرائيلي – الامريكي في كامب ديفيد ورفض الرئيس ياسر عرفات التفريط بأي من ثوابت الحقوق الوطنية، رفض التنازل عن السيادة السياسية الفلسطينية في القدس الشريف وعن حق العودة، نظم المجرمون مجزرة القدس والاقصى وبدأ مسلسل المجازر الذي طالت نصاله السامة روح الرئيس عرفات المحاصر في المقاطعة في زمن جنرال المجازر والاستيطان شارون. كما اثبتت سنوات طويلة من التفاوض الاسرائيلي – الفلسطيني في زمن الرئيس محمود عباس الرفض الاسرائيلي للتسوية العادلة مصحوبا بارتكاب الجرائم ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة وفي الضفة الغربية، ولا امل للسلام العادل في ظل اعتى حكومة تطرف يمينية برئاسة نتنياهو – ليبرمان- براك. ان واجب المجتمع الدولي، الامم المتحدة، الدول التي ايدت قيام الدولة الفلسطينية المستقلة انقاذ الشعب الفلسطيني من براثن المجرمين وتجسيد الحق الوطني الذي تضمنته قبل واحدة وعشرين سنة وثيقة الاستقلال الفلسطيني.
