"نوم الظالم عبادة"، يقول المثل، وهنالك من يقول "نوم الظالم رحمة"، وكما يظهر فقد وصلت مسموعات هذا المثل لباراك فقرر إلغاء عادة النوم هذه.
وكان أهلنا في مضى من زمن ينتظرون قدوم السبت، حيث يرتاح الظالم، فيتم إشادة البيت، خلال يوم عربي ونصف، ("اليوم العربي" هو يوم العمل الذي يمتد من طلوع الشمس حتى مغيبها)، من الجمعة بعد الظهر وطوال نهار السبت، وكان هنالك صِبية أشد نباهة من كبار السن، يقفون على أول الطريق ينذرون البنائين فيما إذا وصلت سيارة "التنظيم" فيبلّغون عنها بالإشارات تارة وبالتصفير تارة أخرى.
وعندما كان يحل يوم الاستقلال، وهو "يوم" بالعبرية بينما نحن وزيادة في التبجيل كنا نسميه عيدًا، كان الغلابة يتفيّأون بفرحة الظالمين، لعل صدر فرحتهم يتسع للواعج قلوب أضناها الهجر، فكنا نفِد، بقضنا وقضيضنا، إلى خرائب قرانا المهجرة التي مُنعنا عنها، نأتي لنتحسس بيوتاً مهجرة أو ما تبقى منها، نروي أنظارنا، قبل أفواهنا، من نبع ماء ما زالت مياهه جارية، فبقيت كذلك حتى التفت الظالم، حين استيقظ من نومه، إلى وجودها، فأصبحت نسياً منسيًا.
وفي ما مضى من زمن، بعد أكثر من عقد ونصف على التهجير، وَجَدت أمي بكرج قهوة مغروسًا في ظل حجر كبير، بكامل أبهته العربية الأصيلة، كان قد أركن جانباً ليؤخذ فيما بعد.. فنُسي في غاغة الهجيج المرعبة.
**
هذه المرة، لم يذهب الظالم، يوم السبت، إلى راحته، وعندما لا ينام الظالم تغادر الرحمة، وهكذا سارت غزة، بأطفالها ونسائها وأهلها، إلى يومها الأسود.
وفي غزة في ذلك اليوم لم تحدث هزة أرضية، ولم يتم استعمال سلاح نووي، وبسلاح تقليدي وخلال ثلاث دقائق وأربعين ثانية، فترة تضاهي مدة الهزة الأرضية، مادت أرض غزة بمن فيها، بمئة طن من المتفجرات، ومع ارتفاع الغبار، ارتفع عدد الضحايا حتى وصل إلى أكثر من أربعمائة قتيل ومئات كثيرة من الجرحى والمشوهين.
هذه الخسائر بالأرواح والأبنية كانت نتائج ضربة الجو فقط، وقبل أن يبدأ الأسبوع الثاني، قال لنا احد المذيعين، أن الجيش الإسرائيلي لن يبدأ اقتحامه، في يوم السبت، فالجيش يحفظ حرمة السبت. لم يدرك المذيع أن شهوة الدم كانت قد انتصرت فبدأ قصف مدفعي مهول قبل أن يخرج السبت، تمهيداً للهجوم البري الأكثر هولاً. وهكذا حدث هذا الخلل في المفاهيم، فقد علمونا إن قدسية الحياة تؤجل السبت، فجاء يوم غزة ليظهر لنا أن شهية الدم هي التي صارت تؤجل السبت، فعندما أرادوا إعلان وقف إطلاق النار من جانب واحد، آنذاك، فقط، احترموا السبت، فلم يخرقوا قدسيته، فواصلوا القصف وانتظروا ملياً حتى خروج السبت، وعندما خرج وابتعد بعيدأ، وأطل فجر يوم الأحد، أوقفوا نيرانهم، بعد أن لم يَبق هنالك ما يقصفونه..
كان ذلك السبت الرابع في الحرب الجهنمية على غزة.. وفي منتصف الأسبوع السابع من بدء هذه الحرب كانت البلاد على موعد مع ليبرمان، الذي لا يعرف لا السبت، ولا باقي أيام الأسبوع.
