"عيش يا كديش"

single
في ساعة مبكرة استيقظ الشيخ (مختار أبو عرب) على صوت رنين هاتفه النقال، فتململ الشيخ واخذ يشتم ويلعن هؤلاء الناس الذين لا يراعون شعور الآخرين بل يتصلون متى يشاءون وكأن وقت الشيخ ملك لهم.
- "صباح الخير يا شيخ، آمل أن مكالمتي هذه لم تسبب لك الإزعاج" 
- "صباح النور، شو بدك؟!"
- "أنا يسرائيل بن تسيون، ممثل الحزب الكبير، وأنت تعرف أن حزبنا إن شاء الله  سيفوز بغالبية المقاعد في البرلمان، لهذا أردت أن أصبح عليك، وثانيا أريد أن استفسر عن مدى إمكانية استقبالي على رأس وفد رفيع يليق بمقامك يوم الجمعة القادم في باحة منزلك " .
انخلع قلب الشيخ فرحا ، وبدأ بالانتفاض وكأنه أسد جريح يريد أن يكسر قضبان قفصه ، ورد على تسيون وقال له "أهلا، أهلا، أهلا بك ضيفا عزيزا وكريما، انك ستحل على اهلك وأصدقائك، لا تعرف كم أنا سعيد ومتلهف لان ألاقي حضرتكم وان أضمك إلى صدري كما تضم المرضعة رضيعها، فان شاء الله أنا وربعي وأبناء قريتي كلنا سننتظرك بفارغ الصبر بعد صلاة الجمعة".
- "حسنا، شكرا يا شيخ على مجاملتك اللطيفة، وسآتي على رأس وفد رفيع في الساعة الواحدة بعد الظهر.
انتفض الشيخ من فراشه ونادى على ابنه البكر وقال له:
- " اذهب وأعلم أبناء قريتنا من الكبير إلى المقمط في السرير، أن يحضروا يوم الجمعة في الساعة الواحدة إلى منزلنا لملاقاة الوفد، وأعلمهم أن من يتغيب بدون عذر مقبول فاني سأغضب عليه وعلى أبنائه من بعده إلى يوم الدين " .
بدأ الشيخ يعد الساعات كما يعد السجين سويعات آخر يوم من مدة محكومتيه لكي يخرج بعدها إلى الحرية، هكذا إلى أن أتى يوم الجمعة، ففي الصباح دخل الحظيرة واختار سبع نعاج سمان، وأمر الشباب بذبحها وطبخها إكراما للضيف ورفاقه، كما ازدانت شوارع البلدة بالأعلام والرايات، التي تحمل كلمات تمجيد وتهليل بذلك الضيف العزيز وحزبه، ووقف الرجال والنساء كما الأطفال والشيوخ على قارعة الطريق يغنون ويرقصون ويدبكون لان اليوم بمثابة يوم عيد لكل أهل القرية .
في الساعة الواحدة تماما حضر الوفد، فرحب بهم الشيخ أجمل ترحيب، كما هو متبع عند العرب وأدخلهم إلى البيت لتناول قِرى الضيف سوية، فأهل البلدة سعداء لان رجلا مسئولا تنازل لزيارتهم لأول مرة في تاريخ القرية، ولان الشيخ خلع ثوب البخل وارتدى ثوب الكرم العربي المشهود، فبعد أن أكلوا وتناولوا الحلوى، طلب الشيخ من الوفد  وجماعة من أبناء القرية أن يتفضلوا بالدخول إلى الديوان والبدء في الاجتماع.
في البداية أراد كل فرد من أبناء القرية الدخول ولكن كما تعلمون فانه لا يوجد متسع لكل هؤلاء لذلك من دخل في البداية فاز بلقاء الوفد وجها لوجه.
قام الشيخ (مختار أبو عرب) فاسترسل بكلمات التأهيل والتسهيل بذلك الوفد الرفيع، وتمنى أن يجرف الحزب الكبير حصة الأسد من مقاعد البرلمان، ثم قال: "كما تعلمون خواجة بن تسيون أن هناك مثلا عربيا يقول (حكللي بحكلك) فوجم وجه بن تسيون وكأنه أراد أن يقول للشيخ (ماذا تعني؟ أو كيف تجرؤ على قولك ذلك علنا). ففراسة الشيخ ونباهته ساعدتاه على فهم وجوم الخواجا، فاستدرك يقول: "لا، لا تفهمني خطأ"، "أنا أريد أن أقول لك ان منطقتنا شاسعة وعدد سكانها كثيرون، ولا يوجد فرع لحزبكم عندنا لذلك أرجو من حضرتكم أن تعينوني مختارا للمخاتير وان توسعوا صلاحياتي، وان تعطوني الصلاحية لأحكم  وارسم وأسيطر وان أكون عنوانكم الأوحد والوحيد في المنطقة".
فضحك الخواجة بعد أن فهم قصد الشيخ وقال له :
-"حاضر، حاضر يا شيخ، طلباتك أوامر.فانا سأدون في دفتر مفكراتي بأنه من الضروري بل من الواجب فتح فرع لحزبنا في منطقتكم، ولا أرى أن هناك مكانا  انسب من منزلك، فإذا أقمنا الفرع هنا فسيأتي القاصي والداني من أبناء القرية والبلدات المجاورة لطلب المساعدة منك وبذلك تستطيع أن تحكم القبضة عليهم وان تنال مرادك".
بعدها انتقل الكلام لأبناء القرية، فاستهل الحديث أبو عارف "فهمان الطامح" والذي يعمل مدرسا في القرية، ويعتبر رجلا متعلما وذا لسان سليط.
قال أبو عارف ان مدرستنا في القرية صغيرة، بنيت منذ عهد الأتراك، آيلة للسقوط، ينقصها غرف حواسيب وغرف مختبرات، كما تحتاج إلى ترميم وبناء جدار واقٍ وملعب كرة قدم وآخر للسلة وبناء قاعة مغلقة، كما أطالب بتعيين معلمين أكفاء وذوي خبرة".
فرد عليه  الخواجة بن تسيون بان مشكلته بسيطة وقادر عليها، وانه قد دون مطالبه. وأكمل أبو عارف وقال: "ولكننننن،هناك طلب آخر وبسيط يا حضرة الخواجا وهو أن مديرنا إنسان كهل ،لذلك أرجو من حضرتكم إزاحته عن منصبه وتنصيبي مديرا بدلا عنه".
-"تكرم عيونك، ولو!، غالي والطلب رخيص" وأردف الخواجة بقوله "إن شاء الله سألبي لك جميع طلباتك ، ولكن بعد الانتخابات".
بعده انتقل الكلام الى كرمة الصامت (ام علي) فقالت: "اسمع يا خواجة، ارضي موقعها في السهل القبلي، وقبل سنة استلمت إشعارا في البوسطة يقضي بان ارضي قد صودرت من اجل المصلحة العامة، وعندما استفسر ابني عن ذلك في دائرة الأراضي، قالوا له بأنه قد تم المصادقة على شق شارع رئيسي يربط بين الموشاف والكيبوتس اللذين يحدان السهل، فأرجو مساعدتك".
فرد عليها يسرئيل بن تسيون بان مشكلتها بسيطة ، وانه وبعد الانتخابات سيعمل جاهدا على إلغاء المخطط، وإذا لم يستطع ذلك فانه سيعمل على تغيير مسار الشارع وشقه  في الأراضي المجاورة، وبذلك تنقذ قسيمتها.
فضحكت كرمة وهتفت :"يعيش الحزب الكبير واللي واقف على راسو".
أما منتظر أبو القعود فانتظر دوره في الكلام على أحر من الجمر، قال وصوت غصة تسمع في كلامه: "يا خواجة، لم اعمل منذ سنين وذلك لأنه لا يوجد أماكن عمل، في الماضي عملت في ايلات بفرع البناء ،أما اليوم فكل ورشات العمل يعمل بها رومانيون،صينيون وأتراك ونحن أبناء البلاد بقينا بدون عمل، لذلك اطلب من حزبكم الاجل ان يجد لي مكان عمل قريب من بيتي".
- "هاظا هو؟!!!" قال الخواجة. "فكرت انو شغلتك أصعب من هيك" هذا طلب نقدر عليه، بعد الانتخابات سنعمل على فتح مناطق صناعية جديدة في الوسط لكي تستوعب جميع القوى العاملة من بنائين ، تقنيين، مهندسين، عمال وسائقين.
ففرح منتظر وقال: "الآن انتظر فوز حزبكم في الانتخابات يا خواجة بفارغ الصبر".
عايش ابو البنات كما يلقبونه في القرية وقف وقال:"انا يا خواجة.... مشكلتي ان عائلتي مباركة الاولاد، عندي عشر بنات وصبي، ما ذنبي في أن ربنا رزقني أطفال، هيك هو بدو!!!" وقبل سنتين عندما كان منافسكم اليوم يعمل وزيرا قد الغى جميع الزيادات في مخصصات التأمين الوطني، والتي كنا نعتاش منها، ونقتات تحت كنفها، فأصبحنا نعيش تحت خط الفقر ولا نجد في بيتنا اكل او ملبس وبالكاد ننهي الشهر دون أن ندان لصاحب السمانة او اللحام او للخضري" .
فصرخ يسرائيل بن تسيون في وجهه وقال: " يا مجرم، يا إرهابي! كيف تجرؤ على ان يكون لك هذا الكم من الاولاد، شو ناقصنا عرب في هذه المنطقة ". كلام الخواجة استهجنه الكثير من الجالسين بصمت، ولكن الخواجة استدرك ما قد تفوه به وقال: "لا تفهموني غلط يا جماعة، قصدي انه من وين بدو يجيب عايش ابو البنات اكل وهدوم  لاولاده في هذا الوضع، كان من المستحسن ان يكتفي بولد واحد لكي يعيشه ويعلمه بشكل محترم".
استدرك الشيخ الموقف وقال: "مزبوط حكي الخواجة، أنت يا ابو البنات تريد ان يكون لك احد عشر طفلا من جهة الحكومة تقوم بإعالتهم من جهة اخرى، ثقيلة والله هيك".
ولكن الخواجة قال: اذا يا ابو البنات بتربي أطفالك على حب حزبنا وعلى الولاء لدستوره مستقبلا، فسأعدك انه بعد الانتخابات سنعمل على رفع  مخصصات التأمين  للاولاد والمعاقين والشيخوخة، ولا يهمك".
أما مصلح ابو كمونة فقال: "اسمع يا خواجة، انا لا يهمني حزبكم ولا الأحزاب المنافسة لكم ولا حتى الأحزاب العربية، لان كل واحد منكم سيجلس على كرسيه وسيقبض معاشًا كبيرًا وانا سأطلع من المولد بلا حمص".
فقال الشيخ: "ماذا تقصد يا مصلح".
فرد مصلح وقال: "انا أريد نقودا، ولا أخفيكم سرا انه في الأمس اجتمعت مع ممثل لحزب آخر ووعدني بانه سيدفع لي مبلغا محترما".
"له، له، له، يا ابو كمونة" قال الخواجة.
"انا بوعدك انو بعد الانتخابات سأعطيك شيكا على بياض وانت تكتب الرقم الذي تريده، لا تكن طماعا وكن مع الشيخ وأبناء البلدة لان الظفر ما يطلع من اللحم".
بعد هذا الحوار الذي دار بين الشيخ وأبناء القرية من جهة والوعود الكثيرة التي طرحها الخواجة من جهة اخرى وقف شاب يافع وعيناه محمرتان، يرتجف من الغضب وصرخ في وجوه الحاضرين .
"يا أغبياء، يا ملاعين، يا خون، يا أقزام الحكومة، كيف تسمحون لهذا الخواجة ان يدخل دياركم، هل نسيتم ماذا فعل حزبه بأبناء شعبنا.. من هجّرنا من قرانا وهدم بيوتنا وصادر أراضينا ومحا تاريخنا وطمس هويتنا اليس حزب هذا الرجل!!" عندها انتفض يسرائيل بن تسيون وقال: "من أنت أيها الشاب ولماذا انت متحامل على حزبنا؟".
فرد الشاب وقال: "اسمي الياس الصايغ وانا من مدينة صفد، بيتي في الحارة الفوقا هناك، واسكن اليوم كلاجئ في هذه القرية، فان كنت يا خواجة قادرًا على تلبية طلبات الناس، فآمل أن تلبي طلبي مثلهم".
"وما هو طلبك؟ سأل الخواجة باستهجان.
"أريد ان تعيد لي بيتي في صفد".
فضحك الخواجة وقال: "اسمع ايها الشاب، طلبك صعب قليلا ولكن اذا صوتت لحزبنا فاني اعدك ان نشتري لك كرفانا بعد الانتخابات وان نضعه على التلة المشرفة على صفد، لكي تجلي عينايك كل يوم في الصباح بالنظر إلى صفد من بعيد".
فقال الياس الصايغ بئس عليكم وعلى حزبكم وعلى من سيصوت لكم ، فانا عربي وصوتي سأدلي به للأحزاب العربية .
قد يهمّكم أيضا..
featured

في مواجهة نتنياهو

featured

عار عربي، وبطولة لاتينية

featured

مراوغة اسرائيلية للابتزاز السياسي!

featured

مأزق الحركة الوطنية الفلسطينية

featured

خير دفاع الهجوم

featured

ألسنة متطاولة على تونس

featured

سقوط طرابلس السريع ثمرة إعداد بطيء وطويل وتنسيق معقد