*لعل تزعّم قطر، اليوم، للنظام العربي الرسمي تعكس مدى عمق أزمة هذا النظام، وتثير في الذاكرة أسطورة الجمال التي تغفر كل معاناتها على يد الانسان سوى ربطه قوافلها بحمار!*
- اذا كان تحالف المتآمرين يتحمّل مسؤولية كل قطرة دم سورية تراق، فان النظام في سورية ليس بريئا من أية مسؤولية في هذا المضمار. فعدا تاريخه القمعي على مدى عقود فانه تخلّف عن الاستجابة لارادة الجماهير التي نزلت قبل عام تطالب بالاصلاح والتغيير؛ ولو استجاب، في الوقت المناسب لصوت الشعب لعرقل تدخل القوى المتآمرة وعلى هذا المستوى، ووفر الكثير من معاناة الشعب السوري. ولذلك فهو مدعو الأن لمضاعفة سرعة خطوات الاصلاح والتغيير
حققت سورية انجازات هامة في صد مؤامرة التدخل التي تقف من ورائها جبهة عريضة تمتد من حكّام الولايات المتحدة الى أوروبا الى الخليج العربي، مع تواطؤ الجامعة العربية وبعض أعضائها الآخرين. ومعلوم أن جبهة المتآمرين هذه لم تترك وسيلة الاّ وجنّدتها، لأخذ سورية واخضاعها، بدءا بتهريب السلاح بأنواعه، والمرتزقة - بما في ذلك تنظيم القاعدة - والخبراء العسكريين، والمال الغزير لشراء الذمم القابلة للبيع، الى الاعلام بأنواعه، المقروء والمسموع والمرئي، مع تجنيد التكنولوجيا الحديثة في صناعة الكذب وتزييف الوقائع. وقد شكلت تصفية البؤرة العسكرية الأساسية في حمص مؤشرا بالغ الدلالة على امكانات افشال مؤامرة التدخل الخطيرة هذه.
وبنتيجة صمود سورية، راح التصدّع في جبهة المتدخلين يتحوّل الى شروخ يصعب جسرها. ففي مؤتمر"أصدقاء سورية" الذي دعت وتداعت اليه هذه القوى الضالعة في المؤامرة، وانعقد في تونس، فقد أسفر عن تفتت جديد في "المجلس الوطني السوري" الذي اعتمدوه ممثلا للشعب السوري! أما الأمير فيصل، وزير الخارجية السعودي، فقد انسحب بشكل تظاهري،غاضبا محبطا، لأن المؤتمر المذكور لم يستجب لتحرّقه في تبني التدخل العسكري المباشر في سورية وتسليح المتمردين والمرتزقة علنا، وليس تهريبا فقط.
على صعيد آخر، ترفض بعض الدول العربية، لاعتبارات مختلفة، قطع علاقاتها بسورية، برغم الضغوط السعودية والقطرية؛ وتخرج الى العلن خلافات بين قطر ودولة الامارات على شكل اتهامات حامية بين الشيخ القرضاوي، رجل قطر والاخوان المسلمين، والفريق خليفان مدير شرطة دبي، وتدخل جماعة الاخوان المسلمين في مصر طرفا في هذه المعركة؛ وكل ذلك على خلفية الموقف من سورية. ولعل تزعّم قطر، اليوم، للنظام العربي الرسمي تعكس مدى عمق أزمة هذا النظام، وتثير في الذاكرة أسطورة الجمال التي تغفر كل معاناتها على يد الانسان سوى ربطه قوافلها بحمار!
- المؤامرة مستمرة
لكن من السذاجة المفرطة الاعتقاد بأن هذه هي نهاية هذه المؤامرة أو حتى قرب نهايتها. فالأطراف المشاركة فيها يرى البعض منها أنها تخوض معركة حياة أو موت؛ كالسعودية وقطر وأمثالهما. فسورية الجديدة – بعد دحر المؤامرة وتحقيق الآصلاحات والتغيير الجذري الذي يريده الشعب السوري وانتفض من أجله ولن يتخلى عنه – ستغدو منارة ملهمة للملايين التي نزلت الى الشوارع في الوطن العربي لتحقيق التغيير الحقيقي.. ملهمة لها لاسترداد ثورتها من الذين سرقوها لاجهاضها، ولتعود الى أصحابها الحقيقيين والى مسارها الصحيح؛ ولترسل سورية الجديدة، في الوقت ذاته، اشعاعاتها المضيئة لتحفز في استنهاض المخزون الشعبي المكبوت،والقابل للانفجار في أية لحظة وأي سبب، في منطقة الخليج، ضد أنظمة القرون الوسطى، قلعة الرجعية العربية والثورة المضادة، التي تبدد ثروات شعوبها الطائلة، على اعمال التآمر والتخريب، وفي خدمة مخططات الامبريالية والصهيونية في المنطقة والعالم.
وبينما تركز الولايات المتحدة على تغيير الوضع في سورية، دون تورّط مباشر في حرب جديدة في المنطقة، اضافة الى أفغانستان والعراق اللتان أنهكتاها؛ فان اسرائيل تضغط بشكل هستيري لشن عدوان على ايران. وحيث تعجز عن تنفيذ ذلك بمفردها تجند كل وسائلها لتوريط واشنطن في هذه المغامرة. وقد أدى هذا التباين الى فشل زيارة نتنياهو الأخيرة لواشنطن، كما أشارت افتتاحية صحيفة هآرتس يوم السابع من آذار الجاري. وهوس اسرائيل في العدوان على ايران تحركه عوامل استراتيجية وأخرى تكتيكية؛ الاستراتيجي منها الاعتقاد بأن أي تقدم لايران في الميدان النووي أو غيره يعزز من ثقلها في الزحام على موقع القوة الاقليمية الأولى في المنطقة، بدل اسرائيل التي احتلت هذا الموقع لعقود بالدعم الأميركي. أما التكتيكي، فهو لتحويل الأنظار عن القضية الفلسطينية التي راحت في الآونة الأخيرة تستقطب المزيد من الاهتمام والعطف، ولا سيما في أوروبا، مقابل ازدياد النقد والشجب لمارسات الاحتلال الاسرائيلي، وسياسات الأبارتهايد الاسرائيلية المتبعة ضد الفلسطنيين داخل اسرائيل ذاتها وفي المناطق الفلسطينية المحتلة. وليس من باب الصدف، في هذا المجال، أن يعلن الرئيس الفرنسي، ساركوزي، أنه اذا أعيد انتخابه رئيسا، سيتوجه الى المنطقة حاملا معه مشروع سلام أوروبي!. كذلك يستهدف هذا الضجيج المسعور حول خطر ايران وضرورة ضرب مفاعلاتها النووية السلمية اخماد الحركة الاجتماعية التي بدأت في اسرائيل ضد السياسة الاقتصادية الرسمية وتفاقم الفوارق الطبقية، وبالتالي اتساع رقعة الفقر والتهميش فيها.
- جزء من مخطط أميركي عالمي
أما الولايات المتحدة، فتآمرها على سورية، هو جزء من مخطط عالمي متجدد. فمن المعلوم انها حاولت عام 2006، عن طريق العدوان الاسرائيلي على لبنان، تصفية المقاومة فيه، باعتبار هذه المقاومة أضعف الحلقات في التحالف الثلاثي: ايران - سورية - المقاومة اللبنانية؛ والذي يشكل العقبة التي تحول دون تحقيق مشروع "الشرق الأوسط الكبير"، المعتمد من واشنطن لاحكام سيطرتها على المنطقة كلها. ومعلوم مصير ذلك العدوان. أما اليوم فتركيز التآمر الأميركي على سورية، باستثمارالحراك الشعبي داخلها، طلبا للاصلاح والتغيير، وبالاستفادة من نشاط فصائل الرجعية العربية ولا سيما دول الخليج، بقدراتها المالية الهائلة، المرعوبة من حجم وعنفوان الحراك الشعبي العربي، وتضع كل ثقلها وامكاناتها لاجهاضه، قبل أن يغمرها طوفانه.. ان الولايات المتحدة، بهذا المعنى تخوض عدوانها على سورية بالوكالة ودون أن تتورط مباشرة، كما في الحالتين الأفغانية والعراقية؛ معتبرة اخضاع سورية شرطا مسبقا لتصفية المقاومة اللبنانية، للانتقال بعدئذ الى عزل ايران واخضاعها، ليس بالضرورة بتغيير نظام الملالي فيها، وانما بتغيير سلوكها، على حد تعبير الناطق بلسان الخارجية الأميركية. أما بقية فصول هذا السيناريو الأميركي ذو الأبعاد العالمية، فتتجه بعد ذلك الى منطقة بحر قزوين والجمهوريات الآسيوية السابقة في الاتحاد السوفياتي، لاحكام الطوق على روسيا، ثم التوجه شرقا لعزل الصين، التي تمثل الخصم الرئيسي للولايات المتحدة في العقود الطويلة القادمة.
وينبغي الاعتقاد بأن فصول هذا السيناريو الأميركي العدواني ليست بخافية على روسيا والصين؛ وهذا ما يفسر صلابة موقفهما في دعم سورية في وجه التآمر المركز والواسع عليها؛ باعتبارها، بشكل من الأشكال، تمثل خط الدفاع الأمامي عنهما. لكن ينبغي الاعتقاد، من جانب آخر، بأن تتواصل أعمال التدخل والتخريب وتهريب السلاح والمرتزقة والتزييف الاعلامي، للحيلولة دون عودة الاستقرار الى سورية واستنزافها اقتصاديا بغرض اثارة التذمر الشعبي الواسع فيها.
وليس من سبيل أنجع وأسرع في مواجهة هذا العدوان وافشاله وتقصير مداه من الانتقال من حالة الدفاع الى الهجوم، وذلك بتكثيف استعمال ما بيد النظام السوري من وقائع ومستمسكات عن التدخل والتخريب، للانتقال الى الهجوم على جبهة المتآمرين، ونقل هذه المعركة الى الساحة الدولية والأمم المتحدة؛ وغني عن القول أن هذا ينبغي أن يكون مقرونا بايلاء أقصى الاهتمام في تأمين الحاجيات الأساسية لسواد الشعب بطبقاته العاملة والفقيرة لتعزيز صمودها وشحذ عزيمتها في التصدي لمؤامرة التدخل في شؤون وطنها؛ فهي التي ستحسم مصير المعركة في آخر المطاف؛ وأخيرا، وليس آخرا، الاسراع في تطبيق الاصلاحات التي انتفض الشعب السوري من أجلها، دون تلكؤ وعدم الاكتفاء بمجرد تشريعها والاعلان عنها. فمولد سورية الجديدة هو أقوى سلاح هجومي كفيل بتغيير مجرى الأحداث ليس في سورية وحدها، بل وفي المنطقة كلها. ان مجرد الاعلان عن اجراء انتخابات نيابية في سورية، أيار القادم، كان كافيا لاثارة حفيظة واشنطن، التي خرجت تهاجم هذه الخطوة الهامة في مجال الاصلاح والتغيير، بدعوى أن اجراء مثل هذه الانتخابات ينبغي أن يسبقها تحقيق الهدوء، في وقت تقود فيه واشنطن النشاط التخريبي لمنع قيام هذا الهدوء؛ هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فان واشنطن تكيل في هذا الميدان بالذات بمكيالين، فقد أجرت انتخابات مزيفة في أفغانستان خلال العمليات العسكرية في حربها العدوانية المستمرة على الشعب الأفغاني، لاضفاء الشرعية على صنيعتها حميد كرزاي.
وفي هذا المجال، اذا كان تحالف المتآمرين، من كل شاكلة ولون، يتحمّل مسؤولية كل قطرة دم سورية تراق، فان النظام في سورية ليس بريئا من أية مسؤولية في هذا المضمار. فعدا تاريخه القمعي على مدى عقود فانه تخلّف عن الاستجابة لارادة الجماهير التي نزلت قبل عام تطالب بالاصلاح والتغيير؛ ولو استجاب، في الوقت المناسب لصوت الشعب لعرقل تدخل القوى المتآمرة وعلى هذا المستوى، ووفر الكثير من معاناة الشعب السوري. ولذلك فهو مدعو الأن لمضاعفة سرعة خطوات الاصلاح والتغيير للتعويض عن التخلف في هذا المضمار ولتعزيز وحدة وعزيمة قوى الشعب السوري الوطنية التي تتصدى،اليوم، للدفاع عن وطنها، وعزل وتصفية المتآمرين والخونة.
