نظرية المؤامرة

single

 


ننشر هنا المقالة الثالثة والأخيرة وهي بعنوان "نظرية المؤامرة"، لكاتبها د. رائف زريق. وهي مقالة من سلسلة طروحات للكاتب نشرناها تباعًا في ملحق "الاتحاد"، كانت أولها مقالته حول "القومية العربية"، والثانية تحمل النقاش حول "التدخّل الأجنبي" ومفهومه. وبطبيعة الحال فان صفحات الملحق ترحب بأقلام اضافية تتناول الأسئلة التي طرحها الكاتب ومحاولته الإجابة عليها، وهي اسئلة واجابات تتعلق بالحالة العربية الراهنة ارتباطًا بما يجري من أحداث في العالم العربي.
(الاتحاد)

// اعتقد ان هذا تبسيط للسياسة واستخفاف للعقول. لا يوجد وضع يكون فيه اللاعب السياسي هو اللاعب الوحيد على الملعب. انما هناك دائما لاعبين آخرين

// أولاً ليس بالضرورة ان يكون هناك مستفيد واحد من انهيار الانظمة العربية. لقد استفاد الاتحاد السوفياتي تمامًا كما استفادت الولايات المتحدة من سقوط المانيا النازية. واذا اكتفينا بنظرية فتّش عن المستفيد لكان من الممكن لصنّاع القرار في الاتحاد السوفياتي ان يقولوا انه اذا كانت امريكا، العدو اللدود لنا، سوف تستفيد من سقوط النظام النازي، فان اسقاط المانيا النازية لهو مؤامرة امريكية!


هناك الكثير من الحديث حول وجود مؤامرة. لا يمكن الاستهانة بهذا الحديث لاننا نعيش في منطقة حسّاسة، للغرب كان فيها أبدًا ودائمًا مطامع عديدة، والطريق من وعد بلفور الى سايكس بيكو الى قرار التقسيم الى غزو العراق، والى الدعم غير المحدود لاسرائيل من قبل امريكا، يثبت بان للغرب مطامع في هذه المنطقة، وبانه ينسق فيما بينه، في الكثير من الاحيان، كي يحصل على مبتغاه. لكن هل يعقل ان تكون هذه الثورات "مؤامرة" ؟ وما المقصود  بالمؤامرة؟
بدايه يجب لفت النظر الى استراتيجية في التحليل تقوم على مبدأ فتّش عن (او مَن)  المستفيد!! بموجب هذا المنطق فان المستفيد من الثورات قد يكون هو الذي يقف وراءها ويسعى الى تأججها. واذا فرضنا مثلا ان سوريا دولة مواجهة تقف في مواجهة الخطط الامبريالية للمنطقة، فان ذلك يكفي للقول ان هناك مؤامرة لاسقاط النظام في سوريا. وكي يكون الادعاء وجيها اكثر يمكن فتح برتوكولات احد معاهد الابحاث، او اوراق سرية في وزارة الخارجية الامريكية او للـ "سي. آي. إيه" يجري الحديث فيها عن ضرورة اسقاط النظام في سوريا، وعندها يصبح الامر حقيقة مثبتة...

يجب التوقف عند هذا المنطق، لانه منطق مستشري ومتوغل في الادبيات العربية.  وقد يكون هناك مبرر لذلك نظرا لتاريخ امريكا الاسود مع كل تطلعات العالم العربي ومع كل حركات التحرر في العالم من افريقيا الى امريكا اللاتينية. رغما عن ذلك يعاني هذا الموقف من طابع اختزالي لا يصمد منطقيا ولا سياسيا.
أولا ليس بالضرورة ان يكون هناك مستفيد واحد من انهيار الانظمة العربية، من سوريا الى تونس ومصر. قد يكون هناك اكثر من مستفيد وقد يكون اولئك المستفيدون اطرافا متناقضة ومتصارعة فيما بينها.

لقد استفاد الاتحاد السوفياتي تماما كما استفادت الولايات المتحدة من سقوط المانيا النازية. اذا اكتفينا بنظرية فتّش عن المستفيد لكان من الممكن لصنّاع القرار في الاتحاد السوفياتي ان يقولوا انه اذا كانت امريكا، العدو اللدود لنا، سوف تستفيد من سقوط النظام النازي، فان اسقاط المانيا النازية لهو مؤامرة امريكية!
زد على ذلك فان الشعب الالماني بنفسه استفاد من سقوط المانيا النازية وكان له مصلحة كبرى في ذلك، فعليه لا يمكن بمجرد الاشارة الى ان خصما لك يستفيد من حادث معين باعتباره انه المستفيد الوحيد اولا، وثانيا باعتبار انه من يقف وراء الحدث، وطبعا ذلك ليس سببا كافيا للوقوف ضد الحدث وضد اهدافه المعلنة من قبل الشعوب التي تخوض هذه الثورات.
لنأخذ مثالا اخر. عندما جرى التوقيغ على اتفاق اوسلو، وقف فلسطينيون كثيرون ضده، ومنهم كاتب هذه السطور، وفي نفس الوقت وقف اليمين الاسرائيلي ضده لاسباب تختلف تماما عن اسباب اليسار الفلسطينيين.
ان هذا التقاطع العرضي في المواقف يحدث كثيرا في السياسة، وهو لا يشكل اي دليل على وجود مؤامرة، ولا يعني ان اليسار الفلسطينين يخدم اليمين الاسرائيلي.
واذا عدنا حصريًا للحالة السورية، فقد تكون امريكا معنية باسقاط نظام الاسد لكونه لا يتعاون بما فيه الكفاية مع الخطط الامريكية في المنطقه (وهو موضوع مشكوك فيه سأعود عليه لاحقا)، في حين ان الشعب السوري معني ايضا باسقاط النظام لانه نظام استبدادي ووحشي. فهل يكون الشعب السوري، لمجرد طالب بمطلب يتقاطع مع رغبة الادارة الأمريكية، كافيًا لنقول عنه بأنه يتآمر مع امريكا ضد نظام بلاده وان امريكا تقود الشعب وتقف وراء مظاهراته؟
اعتقد ان هذا تبسيط للسياسة واستخفاف للعقول. لا يوجد وضع يكون فيه اللاعب السياسي هو اللاعب الوحيد على الملعب. انما هناك دائما لاعبين اخرين. واحيانًا تتقاطع الاهداف للحظة معينة وقد يجري استغلال احتجاج معين او انتفاضة او اي موقف للاعب معين من قبل لاعب اخر، ويكون هذا التقاطع عرضيًا.
 من غير المعقول سياسيا، ولا حتى اخلاقيا، مطالبة الشعوب العربية بالقيام بنوع من الثورة يكون المستفيد منها فقط الشعوب العربية لوحدها دون ان يكون لاي جهة اخرى اي مصلحة في هذا التغيير،  والا اصبح المشروع عبارة عن مؤامرة.
اذن، من غير الممكن القيام بثورة في ظروف مختبرية. زد على ذلك انه لا يوجد اي دليل يشير الى ان هناك رغبة غربية او امريكية بتغيير النظام في سوريا. لقد مرّت على الاحداث هناك اكثر من اربعة شهور واللهجة الامريكية ازاء النظام السوري لهجة لا تتعدى التوبيخ، ولم تصل حد الادانة الجدية، وكل الدلائل تشير الى ان امريكا غير معنية باحداث خلخلة في المنطقة وانها تخشى لاسباب اقليمية حدوث فراغ في سوريا، عملا بالمبدأ القديم "عدوّك العاقل افضل من صديقك الجاهل".
النظام السوري هو نظام متوقع، يجيد الوصول الى صفقات مع الغرب، وفي حال وصل اليها فانه يلتزم بها. وعليه فهو نظام، وان كان مشاغبًا في بعض الاحيان، الا انه غير مؤهل لاحداث اي تحوّل او خلل استراتيجي في المنطقة. واي نظام يخشى شعبه ويقمعه ويدوس كرامته كل يوم، هو غير مؤهل لقيادة اية مشاريع تحررية ولا الى مواجهة اسرائيل وامريكا. وبالتالي، باعتقادي ان السياسة الامريكية تقوم حاليًا على ابقاء نظام الاسد، ضابطًا للوضع، لكن من المفضل ان يبقى ضعيفًا كي يكون من الممكن ابتزازه في قضايا اقليمية، وكي يبقى في فترة "حسن سلوك" حتى لا يثير الكثير من المشاكل والمتاعب.

اذا عدنا الى مقوله مكر التاريخ الهيجلية، فقد يجد الثوّار انفسهم في وضع يتناقض مع اهدافهم التحررية تمامًا، فاحد السيناريوهات الواردة في الحسبان هي ان يبقى النظام السوري وان يصمد امام الثورة، لكنه يخرج منها مهشّمًا ضعيفًا بما يسهل ابتزازه من قبل امريكا. وهكذا يجد الثوّار انفسهم يقودون الى نتيجة غير تلك التي توخّوها، لا بل نقيضها تماما. لا شك ان هذا السيناريو وارد، وبالتالي فان اليقظة ضرورية. وقراءة لتحركات الدول الغربية ذات الاطماع ضروري ايضا. لكن هذه وتلك يجب الا يثنيان الثوار عن مواصله ثورتهم، ولا يجوز لهذا السبب وحده ان يقود الى التشكيك في وطنيتهم وصدق نواياهم.

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

أنت حيٌّ يا أستاذيَ الكبير.. شكيب جهشان

featured

لا غرفة التوقيف باقية ولا زرد السلاسل (2)

featured

لا تشوهوا دور الشيوعيين الكفاحي "بالشخصنة" والتضليل المنهجي!

featured

شيفطان والتبولة

featured

يا للحذاء الذكي: يثأر للكرامة ولا يُحرِّك فتنة؟

featured

أسلحة قاتلة

featured

النخبة السعودية الحاكمة ترقص على فوهة بركان