أنت حيٌّ يا أستاذيَ الكبير.. شكيب جهشان

single
تمضي الشهور والسنين والأيام على رحيلك يا أستاذي الحبيب، وقلّما يمرّ أسبوع دون أن أتذكّرك أو أذكرك وأتحدّث عنك... تلازمني أيها الغالي أبو إياد، فأحزن كثيرًا، وأبتسم وأضحك أحيانا، على كل ما قضيناه واختبرناه معا منذ كنتُ طالبا في الصف التاسع حتى الثاني عشر، في مدرسة الرامة الثانوية، حيث أدخلتَ في نفسي وفكري وعواطفي عِشقَ لغتنا العربية الماجدة، وعلّمتنا معنى الطّرفة والدّعابة والأدب، وحرّكتَ فينا أحاسيس الحبّ والوفاء والحنين...
غيّرتَ يا حبيبنا بعلاقتك معي ومع الكثيرين غيري مقولةَ "مَن علمني حرفا صِرتُ لهُ عبدا"، لتصبح "أنّ من علّمني حرفا صرتُ لهُ صديقا"... نعم!  صِرنا لك أصدقاء، وصرتَ لنا صديقا، وكان اعتزازنا بهذه الصداقة وهذا الصديق  كبيرا ولا حدود له!... استقبلتَنا،  صديقي وأخي عصام ذياب وأنا في غرفتك المستأجرة بالرامة، (قبل أن تتزوج)، وتحدثنا معا حول كل المواضيع الشخصية والدراسية والسياسية والاجتماعية. وكنا نصغي إليك بشغف متمنين أن لا يحين وقت الفراق!... بعد سنوات، فهمنا أن الشباب في جيلنا آنذاك، يتخذون من بعض الشخصيات الفنية، أو الرياضية، أو الأدبية، أو التربوية، قدوة يقلّدونها أو يقتدون بها.. كنتَ لي يا أستاذي الحبيب هذه القدوة المحبوبة منذ تعرّفتُ إليك عن كثب... لذلك حزنت كثيرا على رحيلك المبكر، ومع هذا أشكر الله أنني تعرّفت اليك وتتلمذتُ على يدَيْك، ثم أصبحنا أصدقاء، وزملاء في مدرسة المطران بالناصرة، وتطوّرت صداقتنا إلى علاقة عائلية حميمة منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا... حزنتُ كثيرا، لكنني في الوقت ذاته، أعتز أنك لم تمت ولم يغِب ذكرُكَ، ولن يغيب... فأمثالك يا أستاذي الحبيب لا يموتون ولا يغيبون...
أنت حيٌّ يا أستاذي الكبير في ما عبّر عنه حِسُّكَ المرهف ومشاعرك النبيلة التي تضمّختْ بشذا أهلنا في القرية، وبآلام الاحتلال والقلّة، وبدفء الحب الذي اختبرتَه، وثمار هذا الحب من أولاد وأحفاد... لقد غرّدتَ يا عندليب الجليل لفلسطين الجريحة النازفة، لبرتقالها وأطفالها والمقاومة، وللعودة والديار... وغرّدت أيضا لطلاّبك الذين أحببتهم جميعا، وشاركتَ شعبنا في كلّ تطلّعاته ونزْفِهِ وخلجاته والهموم... ومع أنّ جسدك قد ووريَ الثرى قبل عشر سنوات، ونال الموتُ ما فيك من تراب، إلاّ أنك يا حبيبَنا لم تمت، وأكاد أجزم أنك لن تموت! فأمثالُكَ يا سيّد الكلمة، وإمامَ المُبدِعين لا يموتون!
ماذا أقول بعد!!
أأتحدّث عن أسلوبك في التربية والتعليم؟ عن حصتك التي كنا جميعا نتمنى أن لا تنتهي؟ أم عن اجتراحك للنكتة من كل حَدَثٍ أو مقولة؟
قد يضيق بي الوقت والمجال إنْ تحدّثتُ بالتفصيل، فلن أفعل! ولكن حتى تُعطى أيها المربي الكبير شيئا من حقك، بل حتى يعلم من يرغب في المعرفة، لمجرّد المعرفة، أو حتى يتعلّم من يريد أن يتعلّم، ليستفيد هو ويُفيد طلاّبَه، فإنني سأذكر باختصار بعض الأمور الهامة:
الأستاذ شكيب يدخل الصف مبتسما، أو ضاحكا، وغالبا ما يبدأ الدرس بضحكٍ جماعي من قِبَل الطلاب والمعلم لدقائق معدودة، ثم يبدأ المعلم بشرح الموضوع بهدوء، ويسأل بشيء  من "التهكّم" اللطيف بعض الطلاب الذين يتحمّلون هذا التهكم، إن كانوا قد استوعبوا شيئا مما سمعوا! طالبٌ مثلي كان يجيب: حرام عليّ ما فهمت إشي! بدّكْ معلم يْفَهِّمْ تَتِفْهَم! ونضحك جميعنا، ثم نبدأ بحل التمارين الصفية إذا كانت الحصة حصة قواعد...
أثناء بعض الحصص، الأستاذ شكيب يُخبرُنا عن الحوار الأدبي الذي سمعه في "البرنامج الثاني" على راديو القاهرة. هذا البرناج الأدبي كان يقدمه كما أتذكر من الأستاذ شكيب، الشاعر فاروق شوشة، الذي ظللت أستمع إليه سنوات طويلة!...
الأستاذ شكيب، إذا كانت الحصة، قواعد أم إنشاء أم بلاغة أو مسرحية (مجنون ليلى، أو مصرع كليوباترة)، يهتم كثيرا بالمبادئ والقيَم التربوية والإنسانية والوطنية، يعرضها علينا لمناقشتها دون فرضها علينا لقبولها أو رفضها!
لكل طالب الحق الكامل في السؤال والاستيضاح في الوقت المناسب من الحصة.. الدعابة دائمة التداول في الصف، لكن دون أي مسٍّ بمشاعر الطالب أو شخصيته... مراجعة الامتحان حقٌ للطالب لا يتضايق منه الأستاذ أبدا...
تشجيع بأساليب متنوعة للطلاب...وما يميّز هذا التشجيع هو ما نشعر به مِن محبة هذا المربي، واستِماتَتِهِ في تعليمنا...أما نحن فلم نتعلم ونتشجع فقط، بل عشقنا لغتنا واحترمناها، ولم ننتقص من مكانة اللغات الأخرى...
لقد عشتُ معكَ يا أستاذي الحبيب، وأنا أحاول اختصار النقاط السابقة...كنتُ أكتب وأضحك أحيانا على الكثير مما أذكر! وما أن انتهيت حتى سالت دموعي. سامحني!!
قد يهمّكم أيضا..
featured

.. ولا تفرّقوا!

featured

وضع الصراع الطبقي في مواجهة المطالبة بالاختلاف

featured

قوة الحقيقة في دوامها وثباتها

featured

غرقى في سراب!!

featured

ركائز فلسطينية ثلاث!

featured

لقاء ثلاثي يخدم المحتل!

featured

الحرية لأسرى الحرية

featured

المالح في زمن السكّر