وضع الصراع الطبقي في مواجهة المطالبة بالاختلاف

single

فرض "الاعتراف بالذات" نفسه كمفهومٍ أساسيّ في عصرنا؛ في حين يسرّع عالمنا الرأسمالي العلاقات بين الثقافات ويحطّم مناهج التحليل ويسيّس الهويّات. وتتكاثر المجموعات الناشطة تحت الرايات القوميّة والإثنية و"العرقيّة" أو تلك للنوع أو الجنس، وهي تناضل من أجل "فرض الاعتراف بالاختلاف". في هذه المعارك، تحلّ الهوية الجماعية مكان مصالح الطبقات كمجال للتجنيد السياسيّ؛ إذ صار المطلوب غالباً هو الحصول على "الاعتراف" بأنّ الشخص هو "أسود" أو مثليّ جنسيّاً أو إبن مقاطعة الكورّيز أو أرثودوكسي، أكثر منه كبروليتاريّ أو بورجوازي. وبالتالي لم يعد الظلم الأساسي يعني الاستغلال الاقتصادي، بل الهيمنة الثقافية.
فهل يشكّل هذا التحوّل انحرافاً يفضي إلى شكلٍ من أشكال بلقنة المجتمع وإلى التخلّي عن المعايير الأخلاقية العالميّة ؟ أم أنّه سيفتح أفقاً لعملية إصلاح لشبكة قراءة ماديّة، يزعم أنّها فقدت موثوقيّتها مع سقوط الشيوعية السوفياتية، لأنّها تبقى عمياء لا ترى الاختلافات، وبالتالي تعزّز حالات الظلم عبر تعميم معايير الجماعة المهيمنة زوراً؟
يتواجه هنا مفهومان شاملان للظلم وانعدام المساواة. الأوّل هو مفهوم انعدام المساواة الاجتماعية، الذي ينتج عن بنى المجتمع الاقتصادية؛ ويتّخذ شكل الاستغلال أو الحرمان. فيما الآخر ذو طبيعة ثقافية أو رمزية، وينبع من نماذج التعبير الاجتماعيّ عن الذات، التي عندما تفرض قوانينها التفسيريّة وقيمها، وتسعى إلى إلغاء الآخرين، تولِّد الهيمنة الثقافية وعدم الاعتراف بالآخر أو حتّى الازدراء.
إلاّ أنّ هذا التمييز بين انعدام المساواة الثقافيّ وذلك الاقتصادي يجب ألاّ يغيّب واقع أنّ هذين الشكلين هما، من الناحية العمليّة، متراكبان عادةً، بطريقة أنّ أحدهما يغذّي الآخر جدليّاً. إذ تمنع التبعية الاقتصادية عمليّاً أيّ مساهمة في الإنتاج الثقافي، الذي باتت العالم الاقتصادي أو الدولة يضعان معاييره المؤسّساتية.

  • إصلاح أو تحويل؟


لمعالجة انعدام المساواة الاجتماعيّة لا بدّ من المرور بتغييرات في البُنى: إعادة توزيع المداخيل، وإعادة تنظيم تقسيم العمل، وإخضاع قرارات الاستثمار لرقابة ديموقراطية، وتحويل جوهريّ في طريقة عمل الاقتصاد... هكذا ترتبط مجموعة هذه الأعمال، كلّيّاً او جزئياً، بعمليّة "إعادة التوزيع". أمّا انعدام المساواة الثقافية فلا يمكن معالجته سوى من خلال التغيير الثقافي أو الرمزي: إعادة القيمة إلى الهويّات المنتقصة؛ الاعتراف بالتنوّع الثقافي وتثمينه؛ أو بشكل أشمل إجراء نفضة شاملة في نماذج تمثيل الذات الاجتماعية، بما يجعل كلّ فردٍ يعدّل النظرة التي يرى بها ذاته. كلّ هذا يرتبط بمفهوم "الاعتراف بالذات".
يفترق المفهومان في تصوّرهما للمجموعات التي تقع ضحية لانعدام المساواة. ففي إطار إعادة التوزيع، يتعلّق الأمر بالطبقات الاجتماعية بالمعنى العريض للكلمة، التي يحدّد موقعها أوّلاً بالبعد الاقتصاديّ، على أساس علاقتها بالسوق أو بوسائل الإنتاج. والمثال الكلاسيكي هنا هو الفكرة الماركسية عن الطبقة العماليّة المستغلّة، إلا أنّ هذا التعبير يشمل أيضاً مجموعات المهاجرين والأقلّيات الاتنية، إلخ. أمّا في سياق الاعتراف بالذات فإنّ انعدام المساواة لم يعد مرتبطاً بالإنتاج، بل بانتقاصٍ في التقدير والتثمين. وهنا يتمّ ذكر أمثلة عامّة عن الجماعات الإتنية التي تستثنيها النماذج الثقافية المهيمنة لأنّها مختلفة وأقلّ قيمة: وهو ما قد ينطبق على المثليي الجنس أو على "الأعراق" أو على النساء...
تعني المطالب المرتبطة بإعادة التوزيع في غالب الأحيان إلغاءً لنظمٍ اقتصادية هي التي تشكّل أرضيّة خصوصيّة الجماعات، بل تنزع للترويج لإلغاء هذه الخصوصيّة. على العكس، تتّجه المطالب المرتبطة بالاعتراف، التي تستند أصلاً على الفروقات التي تزعمها الجماعات، للترويج للتمييز (عندما لا تخلقه هي نفسها في حقيقة الأمر، قبل أن تؤكّد قيمته). هكذا يبدو أنّ هناك حالة من التجاذب بين سياسة الاعتراف بالذات وسياسات التوزيع.
في ظلّ هذه الظروف، كيف يمكن النظر إلى مفهوم العدالة؟ وهل يجب إعطاء الأولوية للطبقة على النوع والجنس والعرق والاتنية، ورفض كل المطالب "الأقلّوية"؟ وهل يجب التشديد على التماهي مع معايير الأكثريّة، باسم الشموليّة أو المبدأ الجمهوريّ؟ أو علينا أن نسعى إلى دمج ما تبقّى من الرؤية الاشتراكية ولا يمكن تجاوزه مع ما يبدو مبرّراً في فلسفة "ما بعد الاشتراكية" في التعدّدية الثقافية؟
في الواقع، هناك طريقتان لمعالجة انعدام المساواة. هناك بدءاً العلاجات التصويبيّة التي تهدف إلى تحسين نتائج التنظيم الاجتماعي من دون تغيير أسبابه العميقة. ثمّ هناك العلاجات التحويليّة التي تنطبق من جهتها على الأسباب العميقة: بالتالي يقع التعارض بين العوارض والأسباب.
على الصعيد الاجتماعي، تعمل العلاجات التصويبية، التي تتلازم تاريخيّاً مع الدولة الراعية الليبرالية، على تخفيف انعكاسات التوزيع المجحف لكن مع عدم المسّ بتنظيم شبكة الإنتاج. أمّا العلاجات التحويلية فقد تلازمت خلال القرنين الأخيرين مع الاشتراكية: التغيير الراديكالي للبنى الاقتصادية التي تشكّل قاعدة انعدام المساواة الاجتماعية، عبر إعادة تنظيم علاقات الإنتاج، ما لا يعدّل فقط توزيع القدرة الشرائية، بل أيضاً التقسيم الاجتماعي للعمل وظروف العيش.
وهنا يوضح مبدأ "التمييز الإيجابي Affirmative action" الذي نشأ في الولايات المتحدة هذا الاختلاف. إذ ينظر إلى المساعدات التي تقدَّم على أساس الموارد، والتي تستهدف الأكثر فقراً بدعمٍ مادي، أنّها تساهم أيضاً في تثبيت الاختلاف الذي يمكن أن يؤدّي إلى المواجهة. وعليه يتوجّه إلى أن تتّخذ إعادة التوزيع التصويبية على الصعيد الاجتماعي العمل على أن تضمن للأفراد الملوَّنين حصة عادلة من فرص العمل ودورات التأهيل، من دون تعديل لا في طبيعة ولا في عدد هؤلاء الأفراد. أما على الصعيد الثقافي، يترجم العمل التصويبي الذي يهتمّ بالاعتراف بالذات، عبر مشاعر قوميّة ثقافيّة تجهد من أجل ضمان احترام الملوَّنين عبر إعطاء قيمة "للزنجيّة"، من دون تغيير ثنائيّة "الأبيض-الأسود" التي تعطيها معناها. هكذا يمزج "التمييز الإيجابي" ما بين السياسات الاجتماعية الاقتصادية المناهضة للعنصرية في النظام الليبرالي وبين السياسات الثقافيّة "للقوة السوداء".
والحال أنّ هذا الحلّ لا يتصدّى للبنى العميقة التي تفرز انعدام المساواة الطبقيّة والمظالم العرقيّة. كما أنّ التدابير المتكرّرة السطحية تتضاعف إلى ما لا نهاية، مساهمة في جعل التمييز العرقيّ أكثر وأكثر وضوحاً، وفي تصوير الأكثر تعاسة في حظّهم على أنّهم طبقة خرقاء وجشعة، تحتاج دائماً إلى المساعدة، وحتّى أحياناً على أنّهم جماعة تحصل على امتيازات وتحظى على تعامل خاص... لمجاملتها. بالتالي يمكن لمقاربة مرتبطة بإعادة التوزيع تهدف إلى تدليس المظالم الثقافيّة أن تنتهي إلى خلق مظالم في مجال الاعتراف بالذات.
وفي المقابل، ولأنّها تجمع ما بين الأنظمة الاجتماعية الشاملة وعملية الفرض التقدميّة بكلّ معنى الكلمة، تهدف المعالجات التحويليّة إلى تأمين حصول الجميع على فرص العمل، في الوقت نفسه الذي تعمل فيه على فصل هذا العمل عن مطالب الاعتراف بالذات. ومن هنا إمكانية تقليص الظلم الاجتماعي من دون خلق فئات من الناس العطوبين تصوّر على أنّها تستفيد من الإحسان العام. بالتالي تساهم مقاربة من هذا النوع، ترتكز على إعادة التوزيع، في معالجة بعض المظالم المتعلّقة بالاعتراف بالذات.
وفي الحقيقة، تفترض عمليتا إعادة التوزيع التصويبيّة والتحويلية كلتاهما مفهوماً شموليّاً للاعتراف بالذات، هو أنّ جميع الأفراد متساوون في القيمة المعنوية. إلاّ أنّهما تستندان على منطقين مختلفين فيما يخصّ الاختلاف بين الجماعات.
تخصّ العلاجات التصويبية لانعدام المساواة الثقافيّة ما درجت تسميته بالتعدّدية الثقافيّة: إذ تفترض وضع حدٍّ لعدم احترام الهويات الجماعية التي تمّ انتقاص قيمتها بشكلٍ ظالم، مع عدم المسّ في آنٍ معاً بمضمون هذه الهويّات وبنظام التمييز بين الهويات الذي تستند إليه. أما العلاجات التحويليّة فهي غالباً ما تُقرَن بفكرة إعادة التفكيك. إذ تسعى إلى وضع حدٍّ لعدم الاحترام عبر تغيير بنى التقييم الثقافي الكامنة. إذ أنّ هذه العلاجات تعمل على زعزعة ما هو قائمٍ من هويات واختلافات، ولا تكتفي بإيلاء الأهمية لاحترام الذات، بل تغيّر أشكال الفهم التي نكوّنها عن أنفسنا.
توضح حالات الجنس المكروه هذا التمييز. فالعلاجات التصويبية لرهاب المثليّة تقترن عادةً بحركة "المثليين الجنسيين التي تهدف إلى إعادة الاعتبار لهويّة المثليّة الجنسية. فيما تتماشى العلاجات التحويلية على العكس مع حركة الكويرية التي ترمي إلى تفكيك الثنائية "مثليي الجنس-الغيريّ الجنس". حركة "المثليين الجنسيين" تعتبر أن المثليّة الجنسية هي ثقافة، لها خصائصها المميّزة، على نمط الاتنيّة إلى حدٍّ ما. وفي ذلك "نموذج هويّة" تمّ تبنيه في نضالات مختلفة من أجل الحصول على الاعتراف بالذات؛ يعمل على أن يُحِلَّ مكان الصور السلبية المكونة عن الذات، التي تفرضها الثقافة المهيمنة والمستبطَنة، ثقافة أخرى خاصّة من شأنها عندما تفرض علناً أن تحظى باحترام المجتمع بأكمله. حتماً يتضمّن هذا النموذج إسهامات صادقة لكنّه، عبر مراكبة سياسة الاعتراف بالذات مع سياسة الهوية، يشجع على فرض هوية جماعة ما على أنّها طبيعيّة، إن لم نقل جوهريّة في طبيعتها، عبر تأكيد "أصالتها" واختلافها.
على العكس، تقارب حركة الكويرية موضوع المثليّة الجنسية على أنّها نتيجة المفتعلة والمنتقصة للغيرية الجنسية: لا معنى لإحداهما إلا بمقدار نسبتها إلى الأخرى. لا يكمن الهدف إذاً في إعلاء شأن هويّة للمثليين الجنسيين، بل في القضاء على هذه الثنائية. وفي حين تسعى حركة المثليين الجنسيين إلى تثمين الاختلاف القائم بين الجماعات الجنسيّة - تماماً كما تفعله السياسات التصويبية لإعادة التوزيع في الدولة الراعية بالنسبة إلى أشكال التمييز الاجتماعي- تجهد حركة الكويرية إلى الطعن بهذا الاختلاف، على غرار الاشتراكية.
عندما يعالج المدافعون عن نموذج الهوية الانتقاص في الاعتراف بالذات على أنّه إجحاف يأتي فقط من القيم الإيديولوجية والثقافية، فإنّهم يغفلون أحياناً أسسه في البنى الاجتماعيّة، وينصرفون عن قضيّة انعدام المساواة الاقتصاديّة، ليرّكزوا كلّ جهودهم فقط على تحويل الثقافة، على اعتبار أنّها حقيقة بحدّ ذاتها. وعندها يمكن لهم ألاّ ينتبهوا إلى العلاقات المتمأسسة في أنظمة المساعدات الاجتماعية، بين المعايير الغيريّة الجنس المهيمنة وواقع كون بعض الموارد تُمنع عن المثليي الجنس. إلاّ أنّه يمكن لهذا التيار ألاّ يرى في حالات انعدام المساواة الاقتصادية سوى مجرّد أشكال تعبيريّة عن التراتبية الثقافيّة: فاستغلال الطبقات يتولّد، وفق هذا المنطق، من خفض قيمة الهويّة البروليتارية. هذه صورة معكوسة لماركسيّة مبتذلة شاعت أحياناً وأسقطت فيما مضى سياسات الاعتراف بالذات لصالح سياسات إعادة توزيع الثروة وحدها؛ وبالتالي تقضي الثقافويّة المبتذلة بأنّ إعادة الاعتبار إلى الهويّات المنتقصة سيتصّدى حكماً إلى مصادر انعدام المساواة الاقتصادية ذاتها...

  • مخاطر الإفراط في التبريرات النفسانيّة


يتواجه نموذج الهوية (التصويبيّ) مع ما يمكن تسميته نموذج الوضعيّة (التحويلي): عندها لا يبقى رفض الاعتراف بالذات يعتبر أنّه تشوّه نفسيّ، أو مظلمة ثقافيّة مستقلة، بل هو علاقة متمأسِسة من التبعية الاجتماعية من إنتاج مؤسّسات اجتماعية. فما يجب أن يكون موضوع الاعتراف بالذات ليس بالتالي هو الهويّة الخاصة لجماعة بل وضعيّة أفراد هذه الجماعة كشركاء كاملين في التفاعل الاجتماعي. تقترح هذه السياسة تفكيك الشكلين المترابطين في عملية تنظيم المجتمع، الاقتصاديّ والثقافي، وفهم خفايا ما تحمله من معوّقات إلى هذه المساواة. عندها لا يتعلّق الأمر بطرح مسلّمة الحق في "التقدير الاجتماعي المتساوي للجميع، بل، وعبر المطالبة بالمساواة للجميع في المشاركة في التفاعل الاجتماعي، بتحديد مجال العدالة الاجتماعية على أنّها تتطلّب في الوقت نفسه إعادة توزيع للثروة والاعتراف بالذات، الطبقة والوضع الاجتماعيّ. ربّما يكمن هنا، بعد تفادي التبريرات النفسانيّة والأخلاقية، الإطار الفكريّ لاستراتيجية متماسكة، من شأنها أن تساهم في نزع ألغام التنازع والتناقض بين هذين النمطين النضاليين الكبيرين.

 

* أستاذة كرسيّ "إعادة التفكير في العدالة الاجتماعية" في معهد الدراسات العالمية في معهد دار علوم الإنسان، باريس.
(لوموند ديبلوماتيك)

قد يهمّكم أيضا..
featured

أزمة وقود وأخلاق!

featured

فريد زريق، الإيثاري

featured

الشعوب ضحيّة النفاق والتضليل

featured

قريبا في تل – ابيب..!

featured

إيلي كوهين في سوق البالة في غزة

featured

الترانسفير الجديد!

featured

خطرٌ داهمٌ في "الاتحاد"!