يقول المفكر العراقي – الدكتور علي الوردي – في كتابه ( مهزلة العقل البشري ): بأن الانسان مجبول على أن يرى الحقيقة من خلال مصلحته ومألوفات محيطه.. فإذا اتحدت مصلحته مع تلك المألوفات الاجتماعية. .صعُب عليه ان يعترف بالحقيقة المخالفة لها ولو كانت ساطعة كالشمس في رابعة النهار.
وكما قيل ايضا – إن الحقيقة مُرّة – ولذا من أصعب الامور التي يجابهها الانسان الحر في حياته هو محاولة تزييف الحقيقة او انكارها او التغاضي عنها!
لكن أقول: لا يهم ما يقوله الناس عنك.. بل الاهم هو ان تفعل ما انت مؤمن به بأنه الحقيقة والصحيح.. اعتمادا على كلمات الاغنية " كلام الناس لا يقدم ولا يؤخر". فالحقائق تبقى على الارض كحجارة الوادي.. وتبقى ساطعة كنور الشمس مهما تلبدت الغيوم في السماء..
ولذا فعلى البعض ان يتذكر.. ان انكاره للحقيقة ما هو الا اسقاط لما في نفسه من غيرة او حسد. ومَن يتجاهل ماضيه فإنما يتجاهل حاضره ومستقبله.. لان من لا ماضي له لا حاضر له ولا مستقبل.. وان شعبا لا يُقدّر ولا يعرف تراثه يمس بحقه بالوجود!!
من هذا المنطلق فانا أومن بكل جوارحي بالمقولة التي تقول: "اذا ما ركلك شخص من الخلف فاعرف انك في المقدمة".. من هنا فقد اخذت على عاتقي كمربٍ للأجيال على مدى 37 عاما.. بالكتابة والتأليف والبحث في شتى المجالات.. من شعر ونثر وخواطر وبحث وتوثيق وكان على رأسها كتاب (بيت جن عبر التاريخ) الذي صدر بطبعته الاولى عام 1993 وبفضل مرافقة ومواكبة استاذي وأخي وصديقي الوفي العلامة والباحث الفلسطيني المعروف الدكتور شكري عراف.. ليكون اول كتاب بحث تاريخي وجغرافي واجتماعي.. يُكتب بشكل علمي ومدروس ليوثق تاريخ وتراث بيت جن منذ العهد الكنعاني قبل 3000 عام قبل الميلاد وحتى اليوم.. وليكون رائدا في كافة قرانا العربية الدرزية خاصة والعربية عامة.. اذ سبق وكتبت بعض الكتب هنا وهناك.. عن قرانا وبلداتنا.. ليضاف الى لبنات في اساس البناء للحفاظ على تاريخنا وتراثنا ووجودنا في هذه الديار..
ولم يمض وقت قصير حتى انبرى الغيورون على هذا الامر ببحث وتأليف كتب عن قراهم وبلداتهم ككتاب عن قرية (يركا ) للأخ الدكتور علي صغير وكتاب عن قرية (جث الجليل) المربّي الاخ والصديق الدكتور رجا فرج وزميله المربّي المرحوم حمد سيف. وكتاب عن قرية كسرى وكفر-سميع وقرية معليا للعلامة والباحث الاب والأخ الدكتور شكري عراف.. وكتاب عن قرية ( جولس ) للأخ والصديق سعيد نبواني عاشق التراث وصاحب بيت التراث الدرزي الذي له الباع الطويل في تأليف كتب جاءت لتحفظ وتحافظ على تراثنا العربي من الضياع.. وسبق ان صدر كتاب عن دالية الكرمل وهناك العديد من الكتب التي صدرت عن قرانا العربية كالكتاب عن قرية (المشهد ) وقرانا المهجرة في الوطن للصديق والأخ الدكتور جميل عرفات.. وآخر صدر قديما عن مدينة ( الناصرة ) للقس أسعد منصور وكتب اخرى عن طرعان واكسال وغيرها العديد التي سبق وصدرت كموسوعة (بلادنا فلسطين ) للدباغ (ومعجم بلدان فلسطين) لمحمد حسن شراب وغيرهم من الباحثين داخل الوطن وخارجه...كلها ظهرت للنور من ذات المنطلق.. الا وهو حب الوطن والتوثيق لوجودنا في ديارنا، الذي يحاول البعض طمسه بشتى الوسائل.. من خلال التزييف وتزوير التاريخ.. والحقائق على الارض.. واعدًا إياكم بالمثابرة في هذا النهج وان غدًا لناظره لقريب.. وجدير بالتنويه ان هناك كتبا في طور التأليف في هذه المجال من قبل اناس غيورين على هذه الامور فهناك كتاب قارب على الصدور عن قرية ( كسرى ) للمربّي الاخ علي المن.. وهناك آخرون اخذوا على عاتقهم الكتابة عن قراهم كحرفيش والبقيعة والمغار وغيرها.. وان كنت قد نسيت احدا فعذرا فقد جلّ من لا يسهو او ينسى..
أكتب هذا لمن يحاولون التغاضي عن الحقائق وتجاهلها من دوافع ربما حسد وغيرة ولكنهم ليعلموا انهم بعملهم هذا هم كمن يحاولون تغطية الشمس بغربال.. من خلال تساؤلاتهم:
أين نحن من كتابة تاريخنا؟ من كتب ويكتب تاريخنا..تاريخ قرانا وبلداتنا؟ أين نحن من هذه المقولة.. صانع التاريخ كاتبه وليس فاعله..
وهم يعلمون اني لا ولم ولن اوفر جهدا من اجل البحث والتوثيق لتاريخ وتراث قرانا عامة وقريتي خاصة فقد اصدرت كتاب قرى الموحدين الدروز في الجليل والكرمل والجولان عام 2007 واردفته بكتابي الجديد الذي صدر هذا العام تحت عنوان بيت جن الأثرية.. ليكون توثيقا لتاريخ وآثار قرية بيت جن ومحيطها من خرب وعيون ومغاور دفن ومعاصر للزيت والعنب منذ العهد الفارسي واليوناني والروماني والبيزنطي والإسلامي والمملوكي والمنتشرة بالعشرات في اراضي كتلة جبال الجرمق المعروفة اليوم بالمحمية الطبيعية جبل الجرمق (جبل ميرون). كل ذلك مدعوما بالحقائق والصور وليكون مرجعا ينهل منه كل طالب علم ومعرفة من كبير وصغير.. وخدمة للأجيال الآتية.. من اجل الحفاظ على وجودنا ومستقبلنا هنا.. وإيمانا مني بما جاء في محكم آياته عز وعلا: "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون".
لأعود الى ما قاله المفكر العراقي سابق الذكر: "الحقيقة لا يمكن ان تبقى مدفونة للأبد.. لهذا من الأفضل ايضاح الحقائق من بدء وقوع الحدث.. وبكل شفافية.. حتى يتم وأد القيل والقال.. وإطفاء الإشاعات التي يطلقها اصحاب القلوب المريضة.. الذين يهابون الحقائق.. فإن قوة الحقيقة في دوامها وثباتها.. فلتكن اعمالنا وأقوالنا حقائق كالشمس في وضوحها"، والله من وراء القصد.
(بيت جن)
