يا لفَرحتي، اقتربَ العيدُ، صَنَعَت أمّي كعكَ العيدِ وحَضّرت لَحْمَةَ العيدِ، واستَعدّت لِشِراءِ ملابس العيدِ لي ولأخْتي التي تَكبُرني بِعامٍ واحدٍ.
أذْكُرُ عندما كنتُ صَغيرةً، كانَ أبي وأمّي قبلَ قُدومِ العيدِ بأيّامٍ قليلةٍ، يَرْكبونَ السّيَارةَ ويُسافِرونَ إلى مَدينَةِ عَكّا لدُكّانِ ملابسَ تعودُ لصَديقٍ عَزيزٍ عَليْهِم اسْمُهُ شُكري الرّيّس، ليَشتَروا لَنا مَلابسَ العيدِ.
أذكُرُ عندما جاءَ أبي وفاجَأني في المَساءِ، قالَ لي انّكِ سَتُسافِرينَ مَعَنا غَدًا صَباحًا إلى عَكّا أنْتِ وَأخْتكِ لِشِراءِ مَلابس للْعيدِ. كِدْتُ أطيرُ من الفَرَحِ والسّعادَةِ، وذلك لأنّني سَأرْكبُ في السّيارَةِ وسَأسافِرُ إلى مَكانٍ بَعيدٍ لا أعْرِفُهُ. لَيْلتَها لم أنَم جيّدًا، بَقيتُ أفَكّرُ بالسّفَرِ لأحَضّرَ نَفْسي وكَأنّني مُسافِرَةٌ في رِحْلةٍ إلى خارِجِ البِلاد.
استيقظتُ باكرةً، أيقظْتُ أخْتي وأيْقَظْتُ أهْلي، جَهّزْنا أنْفُسَنا ورَكِبنا في السّيّارةِ، جَلسَتْ أمّي في المَقْعَدِ الأمامِيّ بِجانِبِ أبي، وأنا وأخْتي جَلسْنا في المَقْعدِ الخَلْفيّ.
تَحَرّكَتِ السّيّارةُ، إلْتَصَقَتْ كلّ واحدةٍ مِنّا أنا وَأخْتي في شُبّاكِ السّيّارَةِ، لتَجْلسَ كلّ واحدةٍ في جِهَةٍ بَعيدةً عن الأخْرى، لتكونَ بَيْنَنا مَساحةٌ تَتّسِعُ لشَخْصٍ ثالثٍ.
كنتُ سعيدةً مُتلهّفةً لأسْألَ أبي طولَ الطّريقِ: ما اسمُ هذه البلدة؟ وهذه البَلدة؟ وهذه الشّجرة العالية؟ وووووو؟ وهو يجيبُني بفرح. وهكذا تعرّفتُ على عِدّةِ أسماءٍ لبلْداتٍ وأشجارٍ وأراضٍ ونباتاتٍ كثيرةٍ.
أذْكُرُ أنّني كُنتُ كثيرةَ الأسئلةِ، ومُحِبّةً للاسْتطلاعِ، أنا أسألُ وأسْألُ، وأخْتي ساكِتَةٌ صامتةٌ، تَنْظُرُ وتَسْتمتِعُ فَقَط، لِتَنْفَجِرَ أمّي فجْأةً لتقولَ لي: أسُكْتي عاد إهْدي بِكَفّي حَكي وْأسْئلِة، ليكي أخْتكْ كيف لا بْتِسْألْ وَلا بْتِتْحَرّك أقُعْدي راكْدِه زَيّها...
فوجئت بكلام أمي، أصابتني حالة منَ الحُزنِ والغَضَبِ والهُدوءِ غَيْر العادي، واَنْحَبسَت الدّمْعَةُ في عَيْنَيّ، فتدخّل أبي قائلا: إتِرْكيها يا حُرْمِه خَلّيها تِسْألْ شو الحَكي عَليه َمصاري كَمان؟ كيف بَدْها تتْعَلّم البِنْت لَكان؟ عندَها صَمَتَتْ أمّي، وشَجّعَني أبي أكثر لأزيدَ من الأسْئلَة.
عاوَدْتُ الأسئلةَ وأمّي تَضْحَكُ لأنّها فَشِلتْ في إسْكاتي، وأخْتي سَعيدةٌ ومَبْسوطةٌ على تَوْبيخي من أمّي، لتُخَبّئَ رأسَها بينَ يَديْها كي لا أراها، لتَضْحَكَ بهُدوءٍ وبِدونِ صَوْتٍ يُسْمَع.
نَصِلُ إلى مَدينةِ عَكّا، يرْكنُ أبي السّيارةَ في مَوْقِفِ السّيّاراتِ لأفْتَحَ بابَ السّيارَةِ بسُرْعةٍ وأرْكُضَ في ساحَةِ مَوقِفِ السّياراتِ، تَصْرُخَ عَلَيّ أمّي: إرْجَعي إرجَعي إسّه بْتِنْدهْكي. تَمَلّكني قَليلٌ من الخَوْفِ، فعُدتُ بسُرْعةٍ وارْتَميْتُ في حضْنِ أمّي.
نَدخُلُ دكّانَ الملابسِ، أبي وأمّي يسلّمانِ ويتحدّثانِ مع صاحِبِ وصاحِبةِ الدّكّانِ بالسّؤالِ عنِ الأحْوالِ من كُلّ النّواحي، وَيَشْرَبانِ القَهْوة.
أختي واقِفَةٌ في الدّاخل، تَنظُرُ من الزّجاجِ إلى الخارجِ، لتَرى النّاسَ المارّين، وتنْظُرُ إلى الدّكاكين المُقابِلَة، والسّياراتِ المارّة لتعُدّها وتَحِسبَ الوانَها.
أنا أدورُ وأدورُ في الدّكان، أتفرّجُ وأتطلّعُ أنظرُ وأتفحّصُ الأشياءَ، لتقعَ عيناي على درجٍ مُلبّسٍ بالموكيت البُنّيّ، أقِفَ عند أوّلِ درجةٍ، أرفعَ رأسي وأمُدّ رَقبَتي لأنظُرَ إلى الأعلى، أرى فتْحةً كبيرةً، أحْبُو على الدّرَجِ درجةً درجةً، حتّى أصِلَ الدّرجَةَ الأخيرةَ، أرى غُرفةً أخرى مَليئةً بفساتينِ العَرائسِ البيْضاءَ، أجلسَ على بابِ الفتْحَةِ وأنظرَ من بعيدٍ إلى آخر شُبّاكِ الزّجاجِ المَوْجودِ في نهايَةِ الغُرفَة.
أبي وأمّي سَرَقهُما الحَديث والاشْتياق للأصحاب بعد طول غيابٍ، وأختي تنظرُ إلى الخارج من الفاترينا ليَنتَبهوا فجأةً أنّني غير مَوْجودَة، تسألَ أمّي أختي وتُباغتُها بتكرار الأسئلة: وين أختِك؟ وين أخْتك؟ لَتْكون طِلْعِت عالشّارع؟ شُفتيها إشي؟ تُجيبُها أختي وهي تَرتَجفُ من الخَوفِ: مَسُفْتاس بَعْلِفِس وين لاحَت. فتحَ أبي بابَ الدّكّان بسُرعةٍ، خرجَ ووقفَ يتلفّتُ يمينًا ويسارًا، ثمّ مشى ومشى لَعَلّهُ يَجِدُني، يسألُ، ويسألُ المارّين، ولكن دونِ جَدوى، وإذا بصَوتي يُنادي: ماما ماما... لينتَبِهوا إلى مَصدَرِ الصّوتِ، ليَنظُروا إلى الأعلى ليَجدونَي واقِفَةً، مُتمسّكةً بخشبِ الدّرَجٍ، تُسرع أمّي وهي تقول لي: مَتْفَلْتيش ايديكي لَتَنّي أوصَل..عندَها تَمَسّكْتُ أكثَر وَشَدَدْتُ وَضَغَطْتُ بِيَدَيّ بِكلّ قُوايَ على الخشبِ، حتّى وَصَلَتْ أمّي خلالَ لَحَظاتٍ قليلةٍ، حمَلتني وَحضنَتني وَقَبّلتني وهي تقول: رَعَبْتينا... دخل أبي لينقل الخَبَرِ السيئ فرآني بينَ يَدَي أمّي، فالتقط أنْفاسَهُ، واختَطفني بِسُرعةٍ من حِضْنِ أمّي لِيَحْضنَني ويُقبّلَني ويُنبّهني بأن لا أعيدَ هذه العَمْلَةَ مرّةً اخْرى وأنا أهُزّ رَأسي بالايجاب.
بَدأْتْ أمّي تَتَفَرّجُ وَتَتَفَحّصُ وَتَتَبَخُّنُ ملابسَ الأطفالِ، لتَنْتَقِيَ لَنا مَلابِسَ العيد.
بَدأتْ تَنتقي وتَختار نَقيسُ ونَقيسُ. هذا يُعجِبُها ولا يُعْجِبُنا وهذا يُعجِبُنا وَلا يُعجِبُها، لتقعَ عيناي على تنورةٍ طويلةٍ تحتَ الرّكبةِ، لتقولَ أمّي لي: لأ هايِ التّنورَة طويلِة أنا بَدّي تْكون فوقِ الرُّكبِة أَرْتَبْ وْأَحْلى...
فجْأةً أَرى أُمّي تَحْمِلُ تَنّورَةً حَمراءَ الّلوْنِ مَعَ قُشْط، تُزَيّنُها ثَلاث وَرْداتٍ مُلوَّنةٍ منَ الأمام، لتَقولَ لي: هاتي أقِسْلِكْ هايْ حِلوِة كْثير...َ لبِسْتُها وَكانت جَميلةً جِدّا، وَفَوْقَ الرُّكْبَةِ كَما أحَبَّتْ أمّي، لتُلائِمَ لها بُلوزَةً بَيْضاءَ اللَّوْنِ، مع الأكمامِ الواسعةِ المُزَرْكَشَةِ والمُزَيّنَةِ أطْرافُها بالتّنْتَنا البَيْضاءَ لِتَزيدَها جَمالًا.
لِبستُ التّنورةَ مع البُلوزَةِ، ووقَفْتُ أمامَ المِرْآةِ، وكانَ اليوم جميلا جدّا، حتى جاءَ دَوْرُ أختي واشترت لها نفس الشّيء، لنكونَ توْأمين وعلّقت أمّي: هيك مِثِل بَعِض أحلى عَشان تْكونوا زَيّ الُّلعَب في العيد.
تنتهي المُشتريات، أحْملُ كيسَ ملابسي بيَدي، نترُكُ الدّكانَ بعد وداعِ الأصحابِ، أشعُرُ بجوعٍ يَقْتُلُني، يُدخِلُنا أبي إلى مَطعَمٍ بجانبِ الدّكّانِ، نَأكُلَ الحُمّصَ والفولَ والفَلافلَ، يُنبّهني أبي كي أجلسَ هادئةً لا كلام ولا أسئلة لأنّ هذه الأماكنَ لا يجوزُ الازعاجَ فيها، وإلا أوّل مرّة وآخر مرّة بَجيبِك مَعي...
نَعودُ إلى مَوقفِ السّياراتِ حيثُ رَكَنَها أبي، نركبُ السيارةَ للعَوْدةِ إلى البيتِ، بعدَ هذا اليومِ الجميلِ والمُمَيّزِ، نجلسُ أنا وأختي نَفْس الجَلسَةِ لنأخذَ أماكنَنا كلّ واحدةٍ بجانبِ الشّباكِ، لأحضُنَ كيس مَلابسي وأشُدّهُ على صَدري، كالأمّ الخائِفَة على طِفْلِها من أنْ يضيعَ أو يُسْرَقَ مِنها.
طوال الطّريقِ، ساكتةٌ هادئةٌ، رُبّما تَعَبُ هذا النّهارِ هو الذي أسْكَتَني، أو رُبّما كيسُ الملابسِ هو الذي أشْغَلَ تَفْكيري..
نَصِلُ البيتَ، تكون عمّتي في اسْتِقْبالنا في بَيْتِنا، تجلسُ أمّي على الكُرْسيّ لتفْرِدَ كلّ ما اشْترَت من شَراشفَ ومَناشِفَ ومَحارِمَ لتقولَ لنا: فوتوا قيسوا الأواعي عَشان أشوفْهُن عَليكو...
تُدخِلُنا عمّتي الى الغُرفةِ وَتُلبِسُنا الملابسَ الجديدةَ، لِنَخرُجَ سَوِيّةً وَنَقِفَ أمامَ أمّي، نَرْفَعُ أيْدينا لِتَصِلَ الأكمام بِمُستَوى التّنّورَة، وَنَفْرِد شَعْرَنا الطّويلَ ليُصبِحَ المَشْهَدُ مُتَناسِقًا كُلّهُ في نَفْسِ المُسْتَوى لِنَبْدُوَ مِثْلَ الفَراشاتِ، نقِف على رِجْلٍ واحِدَةٍ وَنَبْدأ بالدّوَرانِ أمامَ أبي وَأمّي وَعمّتي لِيَطيرَ الشّعْرُ والتّنورَة والاكمام في آنٍ واحدٍ ونُعيدُ الكَرّةَ خَمسَ مرّاتٍ، لِنَبْدَأَ بالرّقصِ لِنَحومَ حَوْلَ أمّي كالفَراشاتِ، وْهي سَعيدِة وْمَبْسوطَة وْشايْفِه حالْها فينا.