بذل وزراء اليمين في السنوات الأخيرة جهودًا هائلة في محاولة لترسيخ الكذبة القائلة إن القضية الفلسطينية لم تعد مهمة. هدفهم كان ولا زال غسيل العقول وإطفاء الضمائر نحو كل ما يخص الحقوق الوطنية الفلسطينية العادلة (والثابتة!)، مما يخدم غايتهم العليا: تأبيد الاحتلال والاستيطان والتوسّع.
هذه التفاهات اليمينية التي تفوح منها رائحة النهم والتوسع والنهب والسلب، لم تنجح في اقناع الرأي العام، لا العالمي ولا حتى الاسرائيلي. وجاء أمس قائد هيئة أركان جيش الاحتلال بنيامين غانتس لينفّس بالون تلك المزاعم اليمينية. فقد قال في اجتماع لذكرى سابقه أمنون شاحاك، إن القضية الفلسطينية هي الأهم ولا يمكن للاسرائيليين التنصّل منها والهرب، وحذّر من خطورة نتائج وصولها الى المستوى الدولي على اسرائيل.
هذه القراءة العسكرية الاستراتيجية ليست مدفوعة باحترام لحقوق الشعب الفلسطيني طبعًا، نعي هذا جيدًا، لكنها قراءة هامة يجب التوقف عندها لمواجهة وتهشيم حجج اليمين الاستيطاني الاستعماري الحاكم في اسرائيل. فحتى لو بذل حكّام اسرائيل جهودًا أسطورية لدفن القضية الفلسطينية، فإن "العالمين ببواطن الأمور" في رهطهم سيكشفون من حين لآخر أنهم يكذبون على مجتمعهم والعالم.
نحن نؤكد على هذه القضية لأنها هي ما يجب أن يكون في مركز الجدل العام والمعركة الانتخابية، بوصفها قضية السلام العادل، والى جانبها قضية المساواة المدنية والقومية والطبقية، وكل ما يرتبط بها وينجم عنهما من ملفات ومسائل هامة.
من المعروف أن مصلحة بنيامين نتنياهو وزمرته تقتضي مواصلة التلويح بالشعارات الأمنية القومجية، لأن العزف على وتر الغرائز قد يدرّ عليهم مكاسب انتخابية. والحقيقة الساطعة هي أن من يزعمون تشكيل بديل لنتنياهو واليمين، في "أحزاب الوسط"، لا يحاولون مواجهته في هذا الشأن، بل ان زعيم "المعسكر الصهيوني" يتسحاق هرتسوغ يتعهد بمواصلة البناء فيما يسمى "الكتل الاستيطانية"، وزميلته تسيبي ليفني تكرر سخافة "القدس الموحدة تحت سيطرة اسرائيل"!
هذه المواقف هي الأرضية الصلبة لسياسة زعيميّ "المعسكر الصهيوني" رغم محاولات اجراء عمليات تجميل سريعة لخطابهما بغية الظهور كمن يطرحان مشروعا سياسيا شجاعا وحقيقيا. فلن يشكلا بديلا لنتنياهو وسياسته طالما لم يعترفا بوضوح بجميع الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني مثلما تنص عليه القرارات والمواثيق الدولية، وهما لم يفعلا هذا بالمرة، مما يؤكد سيناريوهات ترى فيهما شريكا مستقبليًا أساسيا لنتنياهو!