*في هذا البيت العامر، ثمة شعور هو اقرب الى الفرحة وتنفس الصعداء، بهذا التجاوز، منه الى الشعور بالانتصار الانتخابي. اذ مَن اكثر مِن الجبهة حرصا على سلامة شعبنا ووحدة جماهيرنا، ازاء نظام يريد ان يفرض علينا الفرح "بسخام ستنا" و الرقص في ذكرى النكبة!!*
توجهنا شمالا، احدهم يشير الينا: "ارجعوا، الطريق مسكّر".
عدنا ادراجنا جنوبا، بضع عشرات من الامتار، واذا بأحدهم آخر، يشير الينا: "ارجعوا، الطريق مسكر"!
ما العمل؟ مواسم "هداة البال" قد بدأت، والسباق على اشده مع شهر رمضان الذي يضع حدا لهذه "المهرجانات"!
اجرينا جولة من المفاوضات مع من اشار الينا بالرجوع، والذي يبدو انه المسؤول. قلنا له: اذا كان الطريق هنا مغلقا، وهناك مغلقا، ولسنا مدعوين، لا هنا ولا هناك، فبم تنصحنا؟
اقتنع الاخ وتكللت المفاوضات بالنجاح على خلاف المفاوضات بين الاسرائيليين والفلسطينيين، التي بدأت في مدريد 1991، ويبدو انها ستبدأ من جديد في العقد الثاني من القرن الحالي! ازيحت كمية من الكراسي المصفوفة جانبا، سمح لنا بالمرور!
اذًا، كان تشخيصي لأولوية المهمات التي تواجه رؤساء السلطات المحلية، في محله. فقبل جباية الارنونا، وضبط لصوص المياه، ينبغي التعاقد مع صانع جهاز الـ، جي.بي.اس على ادخال خريطة شوارعنا (لا "خريطة الطريق" البوشية!) وما يجري فيها، في عقله الخشن. فكما يوجه السائق يمينا او يسارا لتجاوز اكتظاظ مروري، او سائقين وجدا من المناسب التوقف قبالة بعضهما لتبادل بعض الذكريات، عليه تنبيه السائق منا بنفس الطريقة: لا تدخل هذا الشارع، فيه عرس! لا تنحرف يمينا، ثمة (حفلة) طهور. سر الى الامام، فعن اليمين واليسار سهرة عروس ومولد في آن واحد!!
حين دخلنا القرية كان الجو ما يزال يشي بان شيئا جللا هنا قد وقع.وان القرية تجاوزت عاصفة كادت تزعزع اركانها. وهنا الآن، في هذا البيت العامر، ثمة شعور هو اقرب الى الفرحة وتنفس الصعداء، بهذا التجاوز، منه الى الشعور بالانتصار الانتخابي. اذ مَن اكثر مِن الجبهة حرصا على سلامة شعبنا ووحدة جماهيرنا، ازاء نظام يريد ان يفرض علينا الفرح "بسخام ستنا" و الرقص في ذكرى النكبة!!
الوفد السخنيني كبير، فنجاح عرابة نجاح لسخنين وتعويض لجبهتها، ثمة من قال مازحا: كي يليق بمدينة، ومَن قال: كي يناسب حجم جبهتنا التي طالما سعت لمنافسة جبهة الناصرة في تماسكها وتمددها وتنوعها ونجاحاتها، ضم الوفد رئيسين سابقين: محمد بشير ومصطفى ابو ريا، ونائبي رئيس سابقين ايضا: فضيل زبيدات وابراهيم خلايلة، وسكرتير الجبهة الذي كان مرشحا في الانتخابات الاخيرة، كمال ابو يونس.
ذات كبوة انتخابية مرت بها جبهتا سخنين والرامة، توجهنا – مرشح الجبهة آنذاك، مصطفى ابو ريا، والكاتب غازي ابو ريا، وكاتب هذه السطور، الى قرية الرامة، ورغم الغصة في حلوق الضيوف والمضيف، عانقنا ابو جورج بابتسامة حزينة قائلا والدموع تكاد تغادر المآقي: "وِلكو إحنا سقطنا، وكنا متوقعين، اما إنتو!! جبهة سخنين تسقط!!" هكذا يستكثرون على جبهتنا ان تسقط..
هنا الوضع مختلف تماما، فها هو عمر نصار، يثبت نجاحه "ثلاث مرات خلال خمسة اشهر" كما قال (المعركة الاولى المتعددة المرشحين، المعركة الثنائية، ومعركة ما بعد المحكمة)، ليس من خلال الحساب العددي الجامد للاصوات فقط، بل من خلال الحفاظ على سلامة القرية وسلامها وأمنها ووحدتها، وهذا هو الاهم.
محمد العبري احد قادة الجبهة ورئيس مجلس عرابة في فترة يوم الارض العصيبة، رحب بالوفد سريعا – فيما بعد ادركت سبب السرعة – وقدم لنا الرئيس الفائز، لسبب ما ينبغي ان تكون الكلمات قصيرة ومختصرة! فمن يدري من أي الجهات سيأتي وجع الراس!! وتوالت الكلمات:
- نحن يا أبا... (بوم بوم بوم... عشرون ثلاثون دويا) باسل، وفد (بوم بوم بوم... رشقة اخرى مماثلة) جبهة.. سخنين... جئـ.... نا...... نر.... فع لكم (يرتفع صوت الانفجارات اكثر).
ثم تأخذ السماعات دورها بين الكلمات في حياتنا، حين تنطق السماعات تصمت الألسن! بدا مستحيلا ان تجري الاحاديث سهلة هينة سلسلة. هنا السرعة في الكلام مطلوبة، وايصال اكبر عدد من المضامين في اقل عدد من الكلمات ضروري وبين الانفجار والانفجار الذي يليه، وبجهد مشكور من ابي باسل، افلحتُ في تمرير بعض الكلمات فيما آلت اليه افراحنا: "يا ابا باسل! ثمة مهمتان اثنتان امامكم، الاولى: معالجة حاسة السمع لدى المواطنين عقب كل موسم من مواسم الاعراس و"البطيخ الحلو وشلبي وبلا بزر وقطف جديد و... بلا طعم" ومئات التجار المتجولين مثل هذا البائع!
الثانية: ابرام اتفاقية مع احدى شركات النقال، لاقامة محطة بث وتوجيه فضائي تقام فوق مبنى بلدية سخنين – بسبب ارتفاعها فقط – الذي عاصر عدة عهود رئاسية ويأبى الاكتمال، كي تقوم – المحطة – على خدمة السائقين في شعب وكوكب وعرابة ودير حنا والمغار وعيلبون، فيهتدي كل "غريب" الى منزله، بأقصر مدة ممكنة، وانتم تعرفون قيمة الوقت عندنا!! لم اتأكد من ان ابا باسل قد سمعني، ام ان موجات الصوت العاتية قد جرفت الكلمات!
غادرنا عرابة، ورويدا رويدا تلاشت اصوات الانفجارات، ولاحت سماء مدينتنا تشتعل بالاضواء من كل الجهات، ثم علا ضجيج يصم الآذان من جديد. لكننا والحق يقال، تدبرنا امر الاهتداء الى بيوتنا بجهدنا الذاتي،والله، وبدون "جميلة" المدعو جي.بي.اس، هذا الغبي الذي لم يتجاوب مع متطلبات اعراسنا "العصرية"، حتى الآن على الاقل.
وألف الف مبروك يا ابا باسل!
فإذا كنت لم تسمعني مساء ذلك السبت، فلعلك تقرأني مساء هذا السبت.. ولقد آن الاوان لوضع حد لهذا الانفلات السماعاتي!!
***
// تنقير
"على العالم معاقبة الحكام العصاة في هذا العالم"
المتحدث ليس ذلك الهندي ابا عنزة، غاندي! بل ايهود براك، قسما بالله!
