أنا علي أحمد بن الياس بن سلمان الهيبي من بلاد العرب، هأنذا أعلن أمامكم عن فتح جبهة الحرب على العنف بكلّ أشكاله وصوره ومستوياته ومضامينه وأنواعه وأسبابه وجذوره، وعلى كلّ الشّياطين السّاكتين عنه وعلى الذين يفكّرون به ويساعدون على انتشاره وعلى الذين يسبّبونه ويصنعونه، لنكون نحن كمجتمع حطبًا في أتون حرائقه.
ولذلك، فأنا أدعو كلّ أحمد أو عليّ، كلّ الياس أو حنّا، كلّ سلمان أو خضر، كلّ عربيّ أن يكون معي، يحمل سلاحه الإنسانيّ ويقف على جبهة القتال لنقاتل معًا العنف ونقتله، فلا تقوم له قائمة.
لا ينتطح عنزان على أنّ نِطاح العنف هذا الذي نشهده هو مصيبة مصائبنا، وهو الكارثة المحدقة بمجتمعنا والتي تهدّد بتقويض أركانه وتشتيت أواصره. فماذا ننتظر؟ ألم يحن الوقت للعمل والمجابهة الفعليّة لدحر هذا النّطاح؟
بماذا أحسنّا صنعًا؟
أبالمخترعات والتقنيّات الماديّة؟
أبالقيم المعنويّة من ثقافتنا وتراثنا العربيّ: الإسلاميّ والمسيحيّ؟
أبتراثنا الشعبيّ وتجاربه العظيمة؟
أبالمقولات والقيم الحديثة؟
إذا قدنا سيّاراتنا نقودها بتهوّر!
إذا استخدمنا البيلفون نستخدمه سلبيّا!
إذا استعملنا الإنترنيت نستعمله للمؤذي والمضرّ!
نتشدّق بأقوال المسيح ولا نتسامح بل نتخاصم ويعادي بعضنا بعضًا على أساس طائفيّ!
نردّد الآيات القرآنيّة والأحاديث النبويّة ولا نجنح للسّلم ونرى المنكر والشرّ ولا نغيّره لا بيد ولا بلسان ولا بقلب، بل نجنح للنّطاح والسّلاح ونُعمل أيدينا بالضّرب وألسنتنا بنشر الحقد وقلوبنا بما يبغض الله والرّّسل.
فبأيّ إيمان نتباهى ونتشدّق؟
تقول أمثالنا الشعبيّة: "ابعد عن الشّر وغنّي له" فنغنّي للقرب منه وندع الشرّ يغنّي ويرقص على جثثنا، وتقول: "لا تفت صاحبك بزلّة ولا بزلّتين" فنفوته قبل أن يزلّ.
ألانتخابات والدمقراطيّة نتقبّلهما عندما ننجح ونكفر بهما عندما نفشل، فتقوم بيننا أيّام البسوس وداحس والغبراء ويستشري العداء وتتساقط الضّحايا ونبقى على ما كنّا عليه حتّى الموسم الانتخابيّ القادم بلا خجل أو وجل!
ثمّة يد سلطويّة وأيادٍ متعاونة معها ما بين ظهرانينا، السّلاح الموجود بين أيدي العرب في إسرائيل ليس مرخّصًا ومهرّبًا، بل هو إمّا مرخّص بشكل مباشر أو مرخّص بشكل غير مباشر، السّلطة وصّلت السّلاح بهذه الطّريقة أو بتلك، وهي تعرف أنّ كلّ واحد منّا يوجّه سلاحه إلى صدر الآخر.
بشقّ الأنفس ونحن متكاتفون وموحّدون نستطيع مقاومة الظّلم والتّمييز. فكيف يكون حالنا ونحن مفكّكون ومشتّتون؟ نعم هكذا تريدنا السّلطة مفكّكين، بائسين، لا حول لنا ولا طول، وسلاحها الأساس اليوم هو العنف والتّمزيق وتبديد القوى طائفيًّا وعائليًّا وبكافّة السّبل، والسّلطة تملك الكثير منها، والعنف السّائد والسّلاح المنتشر وبكثرة بيننا هو سلاحها القاتل.
مَن مِن العائلات وحدها تستطيع أن تصدّ سياسة الحكومة؟
مَن مِن القرى وحدها تستطيع أن تحمي أرضًا من المصادرة؟
مَن مِن الطّوائف وحدها تستطيع أن تصون حرمة مسجد أو كنيسة؟
أروني عائلة اجتمعت على جمع مال لمرضى السّرطان!
أروني عائلة تداعت للمشاركة في مظاهرة ضدّ مصادرة أرض!
أروني عائلة اتّفقت على صلاة في الأقصى وكانت الصّلاة تحمل بعدًا وطنيّا زيادة على بعدها الدّينيّ!
العائلة عندنا تجتمع لتسلّم العطوة!
العائلة عندنا تجتمع لدفع الديّة!
العائلة عندنا تجتمع للطّوش والحقد والكراهية لأبناء العائلة الأخرى من ذات البلد التي نشرب كلّنا من مائها، ونصلّي جميعًا في مسجدها أو كنيستها، ويتعلّم أولادنا في روضاتها أو مدارسها.
باختصار، لقد جعل العنف من الانتماء العائليّ انتماءً بغيضًا ومقرفًا. وهأنذا أعلن أمامكم أنّ مَن يريد من عائلتي أن يجرّني إلى هذا المنزلق وما يؤدّي إليه من تفاهات، أنا بريء منه إلى يوم الدّين، وليذهب وحده إلى الجحيم وبئس المصير!
وكلّ إنسان يقف في جبهة قتالي للعنف من عائلتي ومن غير عائلتي، من طائفتي ومن غير طائفتي هو أخي الذي لم تلده أمّي، وهو أفضل عندي من أخي العنيف الذي ولدته أمّي.
ما هو البديل؟ البديل هو الانتماء الإنسانيّ، الوطنيّ التّقدّميّ. فكلّما اتّسعت مساحة الانتماء كان الانتماء أرقى.
شهدنا في الإسبوع المنصرم موجة مؤلمة من العنف، في عرابة وشعب وكابول وطرعان وطمرة، هذا في الجليل فقط، وقد وصل إلى إزهاق الأرواح. وأعود إلى البديل، البديل هو الانتماء السّياسيّ والاجتماعيّ والأخلاقيّ، الانتماء لقضيّة، الانتماء لمجتمع، الانتماء لهدف نبيل.
قبل أسابيع معدودة شاركنا في اجتماع احتجاجيّ، في مدينة سخنين للتّعبير عن رفضنا لما يتعرّض له قادة الجماهير العربيّة، وكانوا ثلاثة: محمّد بركة من الجبهة والشّيخ رائد صلاح من الحركة الإسلاميّة وسعيد نفّاع من التّجمّع، ثمّة خلافات فكريّة أو سياسيّة بين هذه الحركات والأحزاب، ولكن هذا شيء، والاتّفاق على القضيّة الواحدة شيء آخر، وكلّنا فيها مستهدفون. تذهب إلى سخنين فتلتقي هناك بمؤيّدين للجبهة وللحركة وللتّجمّع، تلتقي بأناس مسلمين ومسيحيّين ودروز، تلتقي بعرب ويهود، تلتقي بأهل الجليل والمثلّث والنّقب، كلّ القلوب ترفرف بالتّحدي، كلّ الوجوه تضحك باللقاء والاحتجاج، كلّ الضّمائر تحيا بصيانة الوجود والصّمود والكرامة. هناك في سخنين شعرت بأنّني موجود في دائرة الكرامة والعزّة، حيث الكلّ في واحد والواحد في الكلّ، في الوقت نفسه كنت أعيش غمامة عنف في قريتي، وبين شقّيْن من عائلتي، وكنت في عرابة ولمست عن كثب حال هذا البلد بعد المأساة وحالة القلق والتّوتّر والإحساس بالفجيعة وفقدان الأمل والذّهول، هذا البلد الذي تنعّم لعقود طويلة بالأمان والاطمئنان والعلاقات الاجتماعيّة المميّزة. هنا في كابول وهناك في عرابة أحسست بأنّني موجود في حلقة ضيّقة من الوحدة والاغتراب والذّل والتّفاهة، حيث لا كلّ ولا انتماء وكلّ في عزلته ينوء وينوح.
تأتي إلى الشّاب اليافع فتدعوه بكلّ الاحترام لحضور ندوة أدبيّة أو سياسيّة، فيعتذر ويذهب ليستند إلى جدار في طرف الشّارع فيمرّ بجانبه يافع آخر فيبحره كما يدّعي فيتشابكان ويستدعي كلّ منهما أفراد عائلته وتتّسع الدّائرة حتّى يتشابك نصف بلد بنصفها الآخر! تدعو آخر للمشاركة في مظاهرة ضدّ الحرب فيذهب ليركي عمود كهرباء وسط الحارة وتنتهي الوقفة إلى النّهاية المؤلمة نفسها! وآخر تدعوه لمسيرة احتجاج ضدّ البطالة فيذهب لينزوي في محلّ الأراجيل فيجقر جليسًا آخر وهكذا! هذا هو الحال، ونعود إلى قصّة المجنون الذي رمى في البئر حجرًا، ولكن العقّال يقلّون، أولئك الذين كانوا يجبّرونها قبل أن تنكسر. هذا ما تريده السّلطة، نعم إفراغ شحنات انتمائنا لشعبنا ولامّتنا ولثقافتنا ولحضارتنا، لنصبح في عدميّة قوميّة وحضاريّة، ألم يكن من الأجدى على المستوى الفرديّ والجماعيّ لذلك الشّاب لو حضر النّدوة أو شارك في المظاهرة أو سار في المسيرة؟ والله هذا هو البديل.
عندما دخلت إلى طلاّبي في مدرسة عرابة لم يكن من الممكن تعليم مادّة القواعد أو النّصوص آنذاك، كتبت على اللوح "إلى أين جرّنا العنف؟ وإلى أين سيجرّنا في المستقبل؟ أو.........! هل ستكون الضّحيّة هي الأخيرة أم أنّنا سننتظر الضّحيّة القادمة؟ هذا ما وجّهته لطلاّبي ولأولادي. ودار الكلام والنّقاش وكان مفيدًا، ولكنّ الكلام وحده لا يكفي. السّؤال الأهمّ والأجدى هو ماذا سنفعل كي نقطع دابر العنف ونمنع وقوع ضحيّة جديدة؟
وكان التّلخيص: أشعر بأنّ العنف قد وضع سلسلته الحديديّة حول أعناقنا جميعًا ولكنّه لم يشدّها بعد، فهل نمكّنه من شدّها ليخنقنا أم نمدّ أيادينا إلى أعناقنا ونمسك بالسّلسلة ونبدأ رويدًا رويدًا بحلحلتها عن أعناقنا ومن ثَمّ نبعدها ونمسكها مرّة أخرى ونضعها نحن حول عنق العنف ونشدّ معًا من طرفَيْ السّلسلة ونخنقه؟
عندما تبعد عن العنف وتغنّي لبعدك عنه، ثمّة مَن سيقول عنك أنّك بلا كرامة، وثمّة مَن سينعتك بالنّذل والجبان، قل لهما: أنّك تفضّل أن تخسر جزءًا من كرامتك الشّخصيّة إذا كان الثّمن صيانة بلدي وكرامته، وأن أُنعت بالنّذالة خير عندي من أن أحرق أهلي وبلدي، إنّ شجاعتي جزء لا يتجزّأ من شجاعة أهل بلدي، وهذه الشّجاعة الجماعيّة
يجب ادّخارها لصدّ المظالم السلطويّة ولاتّقاء عنف الشّرطة ولدحر سياسة التّمييز والتّنكّر لحقوقنا كعرب فلسطينيّين في هذه البلاد التي لا بلاد لنا سواها، هذه الشّجاعة يجب أن تُدّخر لحفظ الحقوق القوميّة والهويّة الوطنيّة والنّسيج الاجتماعيّ ومنع هدم البيوت ومصادرة الأرض، هذه الشّجاعة يجب أن تُبذل لكلّ ما هو سامٍ ونبيل ومشرّف على المستوى القطريّ ويجب ألاّ تُزهق في كلّ ما هو رخيص ومُخجِل وتافه. ولا كرامة لفرد بمعزل عن كرامة شعبه وأمّته.
هذا ما قلته لأولادي ولطلاّبي أثناء هذه الموجة من العنف. أحبّ مَن أحبّ وكره مَن كره، ولن يكره إلاّ الكافرون.
أنا عليّ أحمد بن الياس بن سلمان الهيبي من بلاد العرب، أخاطبكم من جبهة القتال ضدّ العنف، نأمل أن نكون معًا عن قريب، قلوبنا معكم، والله يرعاكم من العنف والعنيفين والفساد والمفسدين والسّلطة والمذدنبين والشّياطين وشرر الحاقدين والحاسدين.
