//
وسط التطورات العلمية، الاجتماعية والثقافية، ووسط الانجازات الالكترونية وتقريب البعيد، والاختراعات العلمية التي أتت جميعها للتسهيل على الإنسان في حياته اليومية بمختلف دروبها، ووسط التجديد في أنماط الحياة وتسخيرها لخدمة الإنسان نفسه، ووسط بحر من الانشغالات العصرية سواء كانت على الصعيد الشخصي، العائلي والمحيطي. ووسط تطبيق مبادئ الديمقراطية كاملة أو بشكل جزئي، ووسط الرقي والتخصصات المتنوعة، ووسط العمل الدؤوب وبدون انقطاع، ووسط إقامة وتنظيم الورش وأماكن العمل على اختلافها، وكذلك وسط العلاقات الخاصة والعامة منها المحلية ومنها الإقليمية والقطرية والعالمية، نعم وسط كل ما ذكر وما لم يذكر في الحياة اليومية التي يعيشها الناس، تغلغلت في صفوف الأفراد والأسر والمجتمع أمورٌ أثرت إلى حد كبير على مجرى حياة الأهل، الإخوة، الأصدقاء والمعارف في النوعية والكيفية، الأمر الذي يدعو إلى تقييم الأمور من جديد وإعادة الاعتبار لها قدر المستطاع وإدراك الأمور قبل انفلاتها كليا.
فمثلا كثرة الهموم والانشغالات عند الناس لم تعد تطاق ولا تحتمل، وقد انعكست كثرتها بهذا الشكل على المرء في اللهو بها وعدم توفر الوقت اللازم والكافي للقيام بواجبات اجتماعية أخرى لا يمكن المرور عنها مر الكلام، الأمر الذي انعكس سلبيا على صفات الناس وخاصة بين الأهل والأقارب والمعارف، فقد دخلت أنواع وصفات الحب على اختلافها إلى فترة فتور وعن دون قصد، وربما يكون هذا الفتور إلى أمد بعيد.
ومن ذلك نرى أيضا كثرة الانشغال والتباعد في السكن وفي العمل ومداومته، لا ريب ان ذلك أدى في كثير من الأحيان إلى تباعد غير متعمد، فقلما يرى الأخ أخاه من يوم ليوم ومن أسبوع لأسبوع ومن شهر لآخر وربما من عام لآخر، وما من شك أصبح الإخوة والأشقاء في هذه الأحوال وكأنهم أغراب بعيدون كل البعد الواحد عن الآخر، لان الانشغالات في العمل وكسب المال أبعدهم بهذا الشكل وحال دون الاتصال اليومي والمباشر وكاد يقضي على الصلات الدموية والقرابة بينهم.
ونتيجة لهذه الأوضاع وكثرة الهموم والانشغالات الجمّة والتعدد في مشاريع العمل والحياة وفي التخطيطات والترتيبات الاقتصادية والعملية، وصرف الوقت في هذه الأمور إلى جانب الطموحات الشخصية والعائلية الخاصة، وكذلك التنافس والسباق في العمل لتحقيق المزيد في المجالات المعمول بها.
كل هذا ساهم مساهمة فعّالة في التكتّم والتخوّف الواحد من الآخر ودخول الريب والشك إلى قلوب الناس ليبعدهم عن بعضهم.
وعليه في التطور المذكور أصبح الناس في إطار عدم قول الحقيقة كاملة، وعدم الإخلاص كما يجب، حيث ان هذين الأمرين قد اضمحلَّا بين الأفراد، ولأتفه الأسباب والأمور ترى الناس اليوم وخاصة الأقارب يتنافرون فيما بينهم لأمور تافهة تكاد لا تذكر ويبتعدون عن بعض، وإذا القينا نظرة خاطفة على المحيط القريب ومن ثم البعيد لوجدنا وعن قرب أو عن بعد ان الأمور اليوم تغيّرت وتبدّلت كثيرا في هذا السياق فالنفور والجفاء بين الأقارب وحتى الإخوة، أخذ طريقه بشكل حُر، والبعد بينهم كذلك يشتد من يوم لآخر، والتحسب والارتياب الواحد من الآخر ، الأخ من أخيه، القريب من قريبه أصبح هذه الأيام أمرا طبيعيّا.
هذه الأمور التي ذكرت آنفا جميعها وغيرها من التي لم يرد ذكرها أخذت بدون شك حدّها في زعزعة أركان المجتمع الإنسانية، الأدبية والاجتماعية، وغدت كذلك خطرا ينذر بتفكيك أواصر الإخوة والقرابة وتبديد الروابط بين الناس، بين الأفراد والأسر، وقد تكون أيضا سببا في تغذية عدم قول الحقيقة وترويج الأكاذيب وتغذية وسائل الخلاف والرياء والنفاق بين الناس وفي صفوف شرائح المجتمع، وعليه يصح في هذا السياق ذكر الأبيات التالية:
والناس ضاقت بالهموم ولم تعد فيهم صفات الحب والأحباب
نسي الشقيق مع الزمان شقيقه وكأنهم في البعد كالاغراب
فالمال فرَّقهم ومزّق شملهم وقضى على الأرحام والأنساب
وعلاقة الأفراد فيما بينهم كعلاقة المتخوّف المرتاب
والصدق والإخلاص زالا عندهم وتنافروا لتوافه الأسباب
أسفي على هذا الزمان فإنه أضحى لكل منافق كذّاب
هنا يترتب على الإنسان أيًّا كان ان يدرك جيدا بأنه: لا الهموم مهما تراكمت، ولا الأموال مهما تكدّست وكثرت، ولا الانشغالات مهما كانت مربحة وألهت الناس، والتنافس مهما زاد ووسائل المعيشة مهما تطوّرت، مع كل هذا يترتب على الإنسان الإدراك جيدا أن ما ذكر وما لم يذكر من هذا القبيل يجب ألا يغيّر في النواهي الإنسانية الخلاّقة والا يكون سببا في التباعد والتجافي والنفور والرياء والارتياب والخوف والعكس هو الصحيح، حيث ينبغي مع كل هذا تعزيز الاخوّة والصداقة والصدق، وتقريب القلوب بغيةَ الحفاظ على أسس وأركان الحياة للأفراد وللأسر وللمجتمع عامة، ذلك لتسخير كل الوسائل والمستجدات والاختراعات العصرية لمصلحة ولصالح المجتمع في ظل توطيد المثل العليا والإنسانية التي نشأ ونما عليها بنو البشر.
( أبو سنان)
