مدارس أم مراجل؟

single
لم تفلت مدارسنا من ظاهرة العنف المستشرية في مجتمعنا، بل ربما تحولت ساحات المدارس ومحيطها إلى ما يشبه مصارف المياه، تتجمع فيها كل القاذورات والعلل، وبدلاً من أن تكون المدارس مفاعلات تصهر طلابها، من خلال وضع البرامج والخطط الممنهجة، وكذلك تأمين شبكة من الصمامات الكفيلة باستيعاب ما يتحصل من غث وتنقيته وعلاجه، غدت في بعض الأحيان بعض المدارس عاجزة عن توفير العلاج وهذا في أحسن الأحوال، أما أسوؤها حينما تكون المدرسة عاملاً وساحة على أرضها تتفاقم الأزمات ويسود العنف.
والعنف الذي تشهده مدارسنا إما أن يكون بين الطلاب أنفسهم، حينما تفرض حالة تحزبهم القائمة خارج المدرسة نفسها وتتحول مسببا للصدام وما يتلوه من مشاهد العنف والاقتتال، وإما أن يتمثل هذا في صدام بين الطالب/الطلاب وبين المعلم/الإدارة.
في الآونة الأخيرة لا تخلو مدرسة تقريباً إلا وسمعنا عن حالة تم الاعتداء فيها على أحد المعلمين أو المدراء، حادثة لطالما بدأت على خلفية تعليمية واضحة، إلا أنها تطورت مع استنفار أهل الطالب وأصدقائه وشروعهم بغارة تستهدف حماية "كرامة" الطالب والنيل من المعلم. فأيام كان الأهل يأتمنون المعلمين على أولادهم ويؤكدون أن "لحمهم لكم وعظامهم لنا" ولّت.
وبالرغم من الدراسات التي وضعها أهل الاختصاص، ووصّف أصحابها الداء ووضعوا جملة من الاقتراحات والتوصيات التي من شأنها أن تحد من تفاقم هذه الظاهرة وتعطينا الأمل بأن القضية قابلة للمواجهة والحل، لم يطرأ تحسن على الأوضاع السائدة، بل هناك شعور بأن الأزمة تشتد والظاهرة تستفحل ولسان حال كثيرين يلهج بالتأسف على ما آلت إليه أوضاع مدارسنا.
وللتأكيد أقول أن القيمين الرسميين في ميدان التربية والتعليم يتحملون حصة الأسد والمسؤولية الأولى عن رداءة الوضع وسوء حال مدارسنا، وهذه المسؤولية تتعدى مجال التمييز الذي مورس بحق هذه المدارس وشح الاستثمارات طيلة عقود، أسوة بما يغدق على المدارس التابعة للقطاعات غير العربية، فالموضوع له علاقة أيضاً بوضع سياسات يتم من خلالها رصد الظاهرة وطرح وسائل مواجهتها وعلاجها وتأمين كفاءات مختصة على كل ما يستلزمه هذا الأمر.
علاوة على هذا سأشير، فيما يلي، لبعض العوامل التي أعتقد أنها ذات علاقة بظاهرة العنف، نملك نحن مفاتيح رعايتها وتصويبها.
فظاهرة العنف في المدارس هي بلا شك ابنة حقيقية للظاهرة الأم القائمة في المجتمع العام، ولأنها كذلك على إدارات المدارس والقيمين عليها وضع دراسات وخطط، إن نفذت من شأنها أن تساعد على تخليص الطلاب الوافدين من ما حملوه من أدران خبيثة ليعودوا إلى قواعدهم العائلية والمجتمعية معززين ومحصنين بأمصال تداوي أولاً عقولهم ومن ثم تخولهم ليكونوا أدوات تصحيح وموانع في وجه تفشي الفيروسات القاتلة المعششة هناك في محيطهم العائلي وفي المجتمع ككل. إنها عملية طويلة وتستلزم جهداً غير مألوف، لكنها تبقى الرسالة الأولى للأجهزة التربوية وأول ما تستلزم هذه هو استعداد وتفانٍ عند المدراء والمعلمين وإيمان بأنها مهمة قابلة للتنفيذ وإنجاحها يعود بالفائدة على مجتمعنا ككل وهي لذلك لا تنحصر بحصة تربية أو بفعالية عابرة وعارضة بل يتوجب استيعابها كمشروع وطني تقوده المدرسة وهيئتها التدريسية وتشارك بها لجان أولياء أمور الطلاب ومجالس الطلاب.
إلى ذلك فأنا أعتقد أن المناخ الذي تخلقه الانتخابات المحلية في قرانا ومدننا وما ترتكز عليه من عوامل وما يشوبها من ظواهر سلبية خطيرة (العائلية، الطائفية، المحسوبية، شراء الذمم وما إلى ذلك) يؤثر في النهاية على سلوكيات طلابنا ويغذيهم بقيم مريضة سلبية وإلا كيف يفسر القارئ ضبط طالب في الصف السادس وهو يحاول أن يرشي زميلاً له بمبلغ من المال كي يضمن دعمه وتصويته في مجلس طلاب ذلك الصف؟ وكيف يفسر القارئ قدوم معلمة أو معلمين إلى مدرسة ومباشرة بعد معركة انتخابية محلية ولون لباسه هو لون الفريق المنتصر أو الخاسر والحال سيان.
أما الأنكى فهو ما يترتب على المعركة الانتخابية من التزامات على الرابح أن يسددها للموعودين، ما يستدعي أحيانا تعيينات غير منصفة في سلك التعليم أو ما هو متعلق ومترتب عليه. ما ينتج عن ذلك أن العديد من المعلمين أو الموظفين في هذه المدرسة أو تلك يعينون لا لكفاءاتهم ولكونهم الأنسب، إنما كسداد دين، والمحصلة تكون بأن هذا الإنسان غير المناسب لن يؤدي رسالته ووظيفته كما يتوجب ويحوله قدوة سيئة للآخرين، على الأخص للطلاب. 
أما وقد ذكرنا أن مكانة المعلم قد تغيرت وأن هذه الرسالة افتقرت لما كانت تستحقه من تبجيل، فأعتقد أن مسببات كثيرة أدت إلى هذا التردي والسوء وعنها وفيها قيل الكثير. مع أني متيقن أن الغالبية العظمى من جمهور المعلمين ما زالت تعطي وتؤمن بقدسية رسالتها إلا أن هنالك فئة ضالة دخيلة على هذا المجموع تدمغ بأفعالها جمهوراً هو من سوء أفعالها براء. هذه الأقلية لا تؤمن أن التعليم رسالة وتضحية وهي تمارس عملها من باب الواجب المقيت وكمصدر للرزق، عادة يكون مكملاً لعمل إضافي يمارسه هذا المعلم وهذا عنده الأثير والمفضل.
هؤلاء أيضا،ً ولأن التعليم عندهم تتميم رزق لا أكثر، لا يتورعون عن الإكثار من التغيب عن المدرسة والتقصير بأداء واجباتهم الأساسية فكيف يرجى منهم أن يعطوا المزيد لا سيما في برامج ومشاريع لا منهجية هامة لعلاج ما نحن في صدده. هؤلاء قدوة سيئة لطلابهم ويساعدون على تعزيز ذلك المناخ لما يبثونه من سوء قيم وسلوك.
وأخيراً اعتقد أن الانقلاب بالمفاهيم التربوية بشكل عام وما تبنته أجهزة العدل والقضاء في هذه الدولة وسهولة تعاطيها مع شكاوى الأهل والطلاب ضد المعلمين، حيث وجد بعضهم نفسه متهماً ومداناً نتيجة هذه الشكاوى، خلق حالة من الردع السلبي عند المعلمين وترهلاً في معايير الضبط وقيمة مضافة من الحذر وغض النظر، من جهة، وزود الطلاب وأهاليهم بإمكانية استغلال هذه الظروف مما سوغ لهم تماديهم وتحديهم لهذا المعلم أو ذاك، من جهة أخرى.
ما زالت المعطيات في هذه المسألة شحيحة وباعتقادي يجب العمل على رصدها ودراستها لاتخاذ ما يتوجب اتخاذه من إجراءات ومتابعات مع جميع المعنيين والمذكورين فيها.
كتبنا عن العنف وتفشيه في شتى النواحي والمجالات وهنا نكتب عنه كظاهرة في مدارسنا/قلاعنا التي توخينا منها تنشئة أجيال تحمي المجتمع والمستقبل فأمست مراجل تقذف الحمم لتكوي أبناءنا ومجتمعاتنا فهل من مغيث؟     
قد يهمّكم أيضا..
featured

ثقافة الفهلوي في الزمن الترللي..!

featured

صمودًا يا شعب الجبارين

featured

متاعب العمرة ولجنة التنسيق!

featured

كانوا ومازالوا معنا

featured

مشروعان مختلفان

featured

حاملو مشعل العنصرية

featured

عن التائبين والهاربين