كنت أضحك بمرارة عندما أسمع صديقي الشاعر العجوز فوزي الحكيم يردد بصوت عال جهوري وبأسلوب الممثل يوسف وهبي - احنا في الزمن الترللي - ولا أعرف من أين أتى بكلمة ترللي، لكن العجوز فوزي صاحب التجربة المليئة بالسفر والثقافة وقرض الشعر وحب الحياة أراد بكلمة " ترللي " اختصار نقمته على الوضع العام السياسي والاجتماعي والاخلاقي، ومات الشاعر فوزي الحكيم في الغربة بعد أن قرر الهجرة من الوطن الذي خذله ليسكن في جزيرة كريت اليونانية وطن زوجته اليونانية "أم دوريس".
وجرت مياه كثيرة في نهر حياتي وكرت السنوات واختفت كلمة "ترللي" من القاموس اليومي ونسيتها ليس لأن المجتمع تغير والوضع السياسي اصبح افضل بل لأن الكلمة تحولت الى كلاسيكيات الزمن الجميل، على الأقل كان هناك وصف عام حتى لو كلمة - ترللي - للحالة الاجتماعية والسياسية آنذاك، لكن اليوم لا تجد كلمة تختصر غضبك وقهرك وقرفك وغيظك ومعاناتك كانسان وجد نفسه كطائر البشاروش الذي يقال انه دائما يطير ويطير مئات الأميال ثم يكتشف في النهاية أنه ما زال في نفس النقطة التي بدأ منها، حتى تظن اننا تحولنا الى أكياس محشوة بالرمل ومعلقة والظروف الصعبة تضربنا من كل الجوانب، تتمرن يوميا على اهانتنا وتسرق لحظات فرحنا وانسانيتنا.
حتى وجدت "الترللي" الكلمة التي تختصر الزمن المقهور فجأة أمامي وهي ترقص رقصة "الفهلوة " وتحتضن المصالح والانانية، وشخصية الفهلوي ذكرها الناقد السياسي (صادق جلال العظم حيث صور الشخصية الفهلوية التي تصور الهزيمة انتصارا، لكن هناك صفات أخرى للفهلوي نستطيع اسقاطها عليه، فقد يكون ذلك المثقف الذي يستغل ثقافته في نصب الحيل والضحك على الذقون عبر حديثه واقواله وشعاراته حتى يصل لهدفه، وهذه الصفات نراها يوميا على جميع الصعد، ورغم معرفة الناس بالشخصيات الفهلوية جيدا لكن ما زلنا نحيط هذه الشخصيات بالنفاق ولا نشير اليهم باصبع الاتهام، والمصيبة حين ننتخب إحدى الشخصيات الفهلوية لمنصب معين ونعرف ان المنصب أكبر منه ونعرف أن وجوده هو رسالة تخريب للمجتمع وللمستقبل لكن نصر ان نبقى في حالة العمى المتدحرج، الذي يحصرنا في دائرة الفشل المتفشي كالسرطان، وتتسع دائرة الفشل يوميا كلما يكتشف الفهلوي أنه ضحك علينا ويتمادى في استخفافه متجاهلا كل شيء لنصل الى طريق الندم المغلقة وبدون عودة.
من بين الشخصيات التي ترفع عقال وكوفية الفهلوية بعض وجوه رؤساء المجالس المحلية والبلديات العربية، والمصيبة أننا نرى فهلويتهم التي وصلت الى عمق الفشل المدوِّي لكن يتجرأون ويرفعون رؤوسهم ويطالبون بأن تدخل أصابعهم في نسيج العمل البلدي والسياسي، لأن أصابعهم ذهبية وتريد خدمة البلد، رغم أن أعمالهم ما زالت شاهدة عيان على هذه الخدمات الوهمية، واذا وجدت تكون قشرة مزيفة سرعان ما تتقشر وتمسح.
ونرى الشخصيات الفهلوية في مجال المناقصات، وقد نغفر حين يدخل الفهلوي في المجال الخاص، لأن الخاص هو ملك لشخص ومجموعة، لكن حين يتم اختيار فهلوي في مجال عام مثل التربية والتعليم، كمدير ومفتش ومسؤول، عندها نصاب بالخوف على مستقبل العملية التعليمية المتآكلة المهترئة بالعنصرية والتمييز وقلة الميزانيات ليضاف اليها شخصيات لا يستطيعون قيادة أنفسهم لتجدهم يريدون قيادة أجيال تنبض بالطموح.
حتى تحولت المدارس الى مزارع ترعى فيها المصالح والوظائف والفئات والاحزاب والتعيينات المغلفة بورق فضي من الدعم الفهلوي، وعلينا كمواطنين أن نحمل خارطة الطريق - نستطيع سرقتها من ابو مازن - لنمشي بواسطتها خلف كل مدير ومفتش لنعرف الى أين تؤدي فهلويته المبجَّلة، لنصاب بالذهول من وجوه الأقارب والاحباب - الأقربون أولى بالمعروف - الذين دخلوا موسوعة غينيس للوظائف السريعة.
وهناك صورة للفهلوي الذي يقدم لك كل محاضرات عن الاخلاق الحميدة ويستعين بالكتب الدينية، ثم نراه يخلع هذه الاخلاق أمام امتحان المصالح وبريق الدولار.
وصورة ذلك الفهلوي المناضل الذي يشبعنا شعارات وطنية و يحاشر حتى يجد له مكانا تحت شمس الكنيست، ويبقى يتنقل بين الأحزاب يخرج ويدخل ويشتم واذا لم يحصل على عضوية الكنيست على الأقل يضمن راتبا.
وصورة ذلك الفهلوي الذي يتحدث عن حرية المرأة واستقلالية المرأة، يتغنى بانجازاتها في المناسبات النسوية لكن زوجته وأخته وابنته يعشن ظروف الكبت والقمع والممنوع.
وصورة ذلك الفهلوي السياسي الذي يفتش عن عيون الكاميرات في كل مكان، يريد أن يكون في مقدمة الاجتماعات والمظاهرات والحركات الشعبية، وحين لا تكون هناك كاميرات لا يذهب ويرفض الحضور بحجة أنه مشغول.
وصورة الفهلوي الذي يريد أن يصبح عضوا في البلدية أو المجلس - ويصر اصرارا ويلح الحاحا على رأي الفنان عادل إمام في مسرحية "شاهد ما شفش حاجة" - ولكن ما أن يصبح عضوا حتى يتحول الى مادة لزجة أو زئبقية لا تعرف الامساك بها، او مادة هاربة لا يشارك بحضور الجلسات ولا رأي له ولا يعرف شيئا عن قضايا بلده.
صور الفلهويين لا تعد ولا تحصى وكل واحد منا له ألبومات في ذاكرته لوجوه فهلوية، ونعترف ان ثقافة الفهلوة دخلت في كل ثغرة في مجتمعنا، حتى تحولنا الى قبائل من النمل الذي يردد العين بصيرة واليد قصيرة، نرى كل شيء ولا نفعل شيئا لكي نطرد هؤلاء، الذين شكلوا جيوشا من التبعية والصمت والسكوت والانحناء والطاعة، ومحطات من المصالح المتبادلة يتاجرون عِبرها بنا، ويتعاملون معنا كأننا وجدنا لكي نطيعهم.
الفهلوة اليوم هي عاصمة العقلية العربية، عاصمة طموحهم، ولتصديق كلامي تأملوا وسائل الإعلام وغربلوا اخبارنا المحلية ستجدون العجب، كأنكم ستدخلون مغارة علي بابا، لكن للأسف لن تجدون علي بابا بل ستجدون الأربعين حرامي..
