أهي الأيام تركض كالسحاب!؟
أم لأنّك لا زلت معنا ، تملأ الوجود بكلماتك، وبقصيدك، وببسمتك، لم نَعدْ نَعُدَّ الأيام؟ ولم ننتبه لركض السحاب!
أيُّها الحي في الموت ...أيُّها الحاضر في الغياب
يا مَنْ اصطفاك ملاك ذكيٌ، بأنانية فائقة.
أيُّها المستريح أبديّا على أجنحة السحاب، المعفيُّ من سماع أنباء تعصر العلقم في الحلق، وتفجر براكين الغضب في القلب.
أخاطبك عن قرب، حتى وأنت بعيد، لأنّك تسمعنا رغم المسافات،
أعِدك أننا لن نتكلم كثيرًا حتى لا نزعجك، مع أنّك لا تكره الكلام.
ومع ذلك أنت معفي من الجواب- فلا تردّ علينا.
دع النوم يطيل عمرك، ودعِ الخلود يزداد خلودا بحضورك.
نعرف أنّك لا تحب الضجيج، ولا تطمع في الخلود، ونعرف أيضا أنّ الخلود هو الطامع بك. كم هو ذكيٌّ هذا الخلود في انتقائه لمن يزيده خلودا
يعرف كيف يتعامل مع الأذكياء
كان قبل رحيلك كالقابض على جمر الانتظار.
وحين استفرد بك، طار عاليا، كمن يركب الريح ليغزو النجوم.
طار بك علة أنغام ربابة، فرنت لها النجوم، وتساءلت السماء:
من الفارس القادم؟
وحين قالوا لها:
هذا سميح القاسم، شاعر العرب الأكبر، العملاق، القدّيس، سيّد الأبجديّة المتفوِّق، شاعر المقاومة، شاعر فلسطين، شاعر القوميّة العربيّة، هذا شاعر الغضب الثوريّ، شاعر الملاحم، هذا أمير من أمراء الشعر، وربٌّ من أرباب القلم، وسيّدٌ من أسياده، وفارسه الذي ترجل عن القصيدة!
خشعت النجوم، وبهتت السماء، وفرشت لك بساطا مرصعا بنجوم تتلألأ، احتفاءًا بالفارس القادم.
أيُّها المرئي من خلف الغياب، حضورك حقيقة ولا تسقط الحقائق إذا هبّت الرياح الهوجاء.
هل هاجرت هربا من رياح الربيع المرعب؟
لك كلُّ العذر يا حلُما تراءى لنا في المنام وضاع قبل أن نشفى من الآلام.
فلتعذرنا وأنت في عليائك إن أحرجناك وناديناك
فلتغفر لنا وأنت تعانق ملائكة الكلمة، وأمراء القصيد، الذين خذلتهم الحياة وأثبتت لهم أنّ ليس "على هذه الأرض ما يستحقُّ الحياة".
خذلتهم العروبة بتربتها المالحة.
فلتغفر لنا عروبتَنا المالحة، وربيعنا المرعب، الجاف، الذي تمخض عن داعش والنصرة وبوكو حرام، بعد أن قتلنا آخر الأنبياء.
فلتغفر لنا وأنت تركب جناح غيمة نقيّة كقلوب العذارى بيضاء.
ونحن نغوص ... نغوص ... ونغوص في مستنقع الدمِ نقتتل على العقيدة، وعلى الهويّة، وعلى الحمدلة والبسملة وبأي الأرجل ندخل من الأبواب.
نظيفة غيمتك، نظيفةٌ من داعش والنصرة ومن حظائر سايكس بيكو ومن بترول العرب، وفتاواهم العقيمة، وفتنهم الطائفية، وحروبهم القبلية الممتدّة قبل الإسلام منذ داحس والغبراء.
استَقِم في نومك، ودعِ الابتسامة تتسع لتُطيلَ بقاءك.
نمْ وأنت تلتحفُ خيوطَ النور المنسوجةَ من حروف كلماتك، وتعانق النجوم المُزيّنة بعناوين قصائدك، وتتوسّد القمر المهيأ لاستقبالك.
دعِ الغيابَ يؤكِّد حضورك، فالحضور من خلف الغياب خلود.
لا تحزن يا صاحبي،
ما عاد على هذه الأرض سوى الاحتلال والحصار والاستيطان والربيع المخيف المتعطِّش لدماء الأطفال!
ولم يعد عليها ما يستحق حتى الحياء.
2015/8/18