1- الهجرة اليهودية والعكسية
لم تهدأ الحركة الصهيونية في أي من الأوقات، منذ أن بدأ التدفق على فلسطين في نهاية القرن التاسع عشر، وعلى مدى القرن العشرين، بمعنى قبل وبعد العام 1948، في ما يسمى بمشروع "لَمْ الشتات"، أو حسب المصطلح العبري "كيبّوتس غلويوت"، وجلب أكثر ما يمكن من أبناء الديانة اليهود في العالم، من أوطانهم إلى فلسطين ومن ثم إسرائيل.
وكان وما زال الميزان الديمغرافي، كمخزون بشري لحماية المشروع الاستراتيجي: "الدولة"، عنصر أساسي يرافق إسرائيل في كل الأوقات، وسنرى أنه مع الوقت، وخاصة بعد انتهاء موجات الهجرة الضخمة في سنوات التسعين، وأول سنوات الألفين، كيف بدأت المؤسسة الحاكمة، ومعها الحركة الصهيونية والمختصين، في البحث في قضايا ديمغرافية أخرى، كان الكلام عنها على العلن في سنوات مضت أمرا محظورا، مثل الهجرة اليهودية النوعية، بمعنى ليس يهود فقراء، ولكن الأهم من كل هذا، الحديث العلن عن التوقعات لتغيير جذري في تركيبة المجتمع اليهودي في إسرائيل، الذي حسب التوقعات سيكون في العام 2030 ذا أغلبية مطلقة من المتدينين الليبراليين دينيا والمتشددين سياسيا، ومن الأصوليين اليهود (الحريديم)، الذين يرفضون الصهيونية من منطلقات دينية.
وصلت الهجرة اليهودية في كافة أنحاء العالم إلى إسرائيل، في سنوات الثمانين، إلى حضيض عميق، فحسب معطيات دائرة الإحصاء المركزية، فإنه ما بين العام 1948 والعام 1951 هاجر إلى إسرائيل حوالي 688 ألف مهاجر (المعطيات لا تتطرق إلى سنوات الأربعينيات)، وبين العام 1952 والعام 1959 هاجر إلى إسرائيل حوالي 272 ألف مهاجر، وفي كل سنوات الستينيات 374 ألف مهاجر، وفي سنوات السبعين 346 ألف مهاجر، وانخفضت الهجرة بشكل حاد في كل سنوات الثمانين إلى حوالي 154 ألف مهاجر.
وكان من أسباب انخفاض الهجرة، هو الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية في إسرائيل، بشكل خاص، وإغلاق أبواب الاتحاد السوفييتي، الذي كان يعتبر المركز الثالث في العالم من حيث عدد اليهود، بعد الولايات المتحدة الأميركية كمركز أول، ثم إسرائيل كمركز ثان.
وفي موازاة تدني الهجرة، كانت نسبة المواطنين العرب في إسرائيل في ارتفاع مستمر، نتيجة الفارق الكبير في نسبة التكاثر، وسعت الحركة الصهيونية ومعها المؤسسة الإسرائيلية على مدى العقود الأربعة الأولى لإسرائيل إلى ضمان أعداد هجرة تضمن المساعدة في لجم الهوة في نسبة التكاثر بين اليهود والعرب، ورغم ذلك، فإن العرب واصلوا تكاثرهم ورفع نسبتهم من مجمل السكان.
وهنا زاد القلق من المستقبل، إلا أن إسرائيل تفاجأت هي الأخرى من زاويتها بالتغيرات المتسارعة في الاتحاد السوفييتي، إذ بدأت تتدفق عليها الهجرة اليهودية من هناك في الأشهر الأخيرة للنظام الاشتراكي، فمن العام 1990 وحتى العام 1999 هاجر إلى إسرائيل 956 ألف مهاجر، أكثر من 80% منهم من دول الاتحاد السوفييتي السابق، وأكبر هذه الهجرات كان في العام 1990 حين وصل إلى إسرائيل حوالي 200 ألف مهاجر، وفي العام التالي 176 ألف مهاجر، ولاحقا كان المعدل في حدود 74 ألف مهاجر، وكانت أولى معالم الانخفاض في الهجرة في العام 2000، حين انخفضت الهجرة إلى 60 ألف مهاجر.
في العام 2001 وصل إلى إسرائيل أكثر بقليل من 43 ألف مهاجر وانخفض العدد في العام 2002 إلى أكثر من 33 ألفا، وفي العام 2003 إلى 23 ألفا، والعام 2004 إلى أقل بقليل من 21 ألفا.
وتواصل تراجع الهجرة السنوية باستمرار، وتراوح معدل الهجرة من العام 2007 وحتى العام 2011 ما بين 13 ألفا إلى 16 ألفا سنويا، وهذا العدد لم يعد كافيا للجم تزايد نسبة المواطنين العرب من بين مجمل السكان، وباتوا يتقربون جدا إلى نسبة 18%، من دون فلسطينيي القدس المحتلة وسوريي الجولان المحتل.
وبطبيعة الحال فإن تدفق هذه الأعداد الهائلة، أي قرابة ما بين 1,4 مليون مهاجر إلى إسرائيل، ساهم في الكثير من التغيرات الاجتماعية وأيضا السياسية بين الجمهور الإسرائيلي، فقد باتت اللغة الروسية تحتل المكانة الثانية من حيث الانتشار، في حين ساهمت هذه الهجرة في رفع نسب النمو الاقتصادي، وفي المقابل رفع المستوى الثقافي والفني والرياضي، إذ حمل المهاجرون من الدول السوفييتية ثقافتهم الغنية إلى إسرائيل التي كانت على مدى العقود الأربعة قبل تلك الهجرة في أدنى اللوائح الدولية في هذه المجالات.
ولكن في موازاة ذلك، أدى هذا التدفق إلى خلق سلسلة من الأزمات الاجتماعية والبنيوية وغيرها، فقد شهدنا حالة احتكاك بين جمهور المهاجرين والمواطنين "القدامى"، الذين لم يستوعبوا بسرعة هذه التغيرات في مجتمعهم، ومن بينهم من كان على قناعة بأن هذه الهجرة جاءت على حساب الإنفاق عليهم وعلى حساب دولة الرفاه.
إلى ذلك، فقد تحول المهاجرون بسرعة إلى قوة انتخابية تم تقديرها في الانتخابات البرلمانية الـ 18 التي جرت في شتاء العام 2009، بحوالي 18 مقعدا، وأكثر الأحزاب التي مثلت المهاجرين كان "يسرائيل بيتينو" بزعامة وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان.
وهنا، نذكر أن المهاجرين ولدى وصولهم لم يكونوا في أي خانة سياسية تذكر، ففي سنوات التسعين الأولى كانت التقديرات بأنهم يمنحون أصواتهم إلى أحزاب وقوى تؤيد المفاوضات والاتجاه إلى حل الصراع، أو حسب التعريف الإسرائيلي لها "قوى مؤيدة للسلام"، وعلى هذا الأساس، فقد كانت التقديرات أن المهاجرين منحوا غالبية أصواتهم في انتخابات العام 1992 لحزب "العمل"، وحتى لحركة "ميرتس" اليسارية الصهيونية.
إلا أنه في انتخابات العام 1996، وبعد أن كان قد تدفق على إسرائيل ما بين 600 ألف إلى 700 ألف مهاجر، والنسبة الساحقة منهم فوق عمر 18 عاما، وباتوا فورا من ذوي حق التصويت، تشكل حزب "يسرائيل يعلياه" بزعامة نتان شيرانسكي، الذي تمت إدانته في الاتحاد السوفييتي بتهمة التجسس لصالح الولايات المتحدة، وأطلق سراحه في إطار صفقة تبادل عملاء، في النصف الثاني من سنوات الثمانين، وهو ذو توجهات يمينية ويتولى حاليا منصب رئيس الوكالة اليهودية.
وحتى العام 1996، بات واضحا صعوبة تأقلم مئات آلاف المهاجرين، خاصة من دول الاتحاد السوفييتي السابق، في المجتمع الإسرائيلي، إن كان من باب طبيعة المجتمع وشكل الاستهلاك، ولكن بشكل خاص، واجهوا سلسلة من العقبات في الاندماج في سوق العمل في الوظائف الأكاديمية وعلى رأسها الطب، إذ أن كبار الأطباء والمختصين في المجالات الكثيرة، وجدوا أنفسهم عاطلين عن العمل، أو يعملون في وظائف لا مهنية مثل التنظيف وغيره، ونحن نتكلم هنا عن أعداد هائلة.
كذلك اصطدم المهاجرون بالقوانين والأنظمة الدينية، التي تدخلت في مسألة الزواج وحركتهم ايام السبت، وحتى في الطعام الذي اعتادوا عليه، في ما يتعلق بـ "الحلال والحرام" بموجب الشريعة اليهودية.
ومن هنا، وجد المهاجرون أنفسهم شريحة ضعيفة بحاجة إلى دعم اقتصادي ومؤسساتي، وكان هذا مدخل لبداية سيطرة "أثرياء الغفلة"، إن صحّ التعبير، والقصد هنا أثرياء من دول الاتحاد السوفييتي السابق، حققوا ثراء فاحشا بعدد قليل جدا من السنين، فور انهيار الاتحاد السوفييتي، ولقسم كبير منهم، كان "الغموض" يكتنف سبب ثرائهم.
وظهر هؤلاء الأثرياء بقوة داخل مجتمع المهاجرين كداعمين، وكانت سيطرتهم على المجتمع سهلة جدا، من خلال مقاولي أصوات، وهذا ما يفسر حصول حزب شيرانسكي، الذي أطلق عليه اسم "يسرائيل بعلياه" على سبعة مقاعد في انتخابات 1996، وبطبيعة الحال فقد كان أول داعم وشريك لحكومة الليكود برئاسة بنيامين نتنياهو.
وسنرى أنه في العام 1999، ونظرا لكبر أعداد المهاجرين، فقد وجد "يسرائيل بعلياه" من ينافسه أيضا من خانة اليمين المتشدد، وهو شخص أفيغدور ليبرمان، الذي شكل حزب "يسرائيل بيتينو"، ولجم قوة "يسرائيل بعلياه" الذي انخفضت قوته إلى 6 مقاعد، مقابل 4 مقاعد لحزب "يسرائيل بيتينو" في تلك الانتخابات، وكانت القوة الانتخابية للمهاجرين في تلك الانتخابات تتراوح ما بين 13 إلى 14 مقعدا، إذ أن باقي المقاعد توزعت على باقي الأحزاب، وخاصة حزبي "الليكود" و"العمل".
وبعد ركود ومن ثم انخفاض وتيرة الهجرة إلى إسرائيل، عادت الهجرة العكسية لتبرز من جديد، وحسب التقديرات الرسمية، فإنه يهاجر إسرائيل سنويا بالمعدل 22 ألفا، ويعود إليها بعد غياب طويل قرابة نصف هذا العدد، ولا يلزم القانون الإسرائيلي من هاجر إسرائيل كليا بأن يتنازل عن جنسيته، ولكنه يفقد حقوقا اجتماعية، إذا ما غاب عن إسرائيل لمدة ستة اشهر، واستعادة هذه الحقوق، يستلزم عودته وبقائه لمدة ستة أشهر على الأقل.
وحسب تقديرات إسرائيلية، فإن ما بين 750 ألفا إلى 850 ألفا من حملة الجنسية الإسرائيلية مقيمون بشكل دائم خارج إسرائيل، بمعنى أنهم مهاجرين، وفي انتخابات العام 2009، تحدثت دائرة الإحصاء المركزية عن أن أكثر من 500 ألف من أصحاب حق الاقتراع متواجدون بشكل دائم خارج إسرائيل، أي مهاجرين.
وحسب تقديرات رسمية وشبه رسمية، منها دائرة الإحصاء المركزية، وأخرى للوكالة اليهودية، والمعاهد المنبثقة عنها، فإن ما بين 130 ألفا إلى 150 ألف مهاجر من دول الاتحاد السوفييتي، عادوا إلى أوطانهم الأم، بعد وقت قصير من هجرتهم إلى إسرائيل، في حين أن عددا آخر، غير محدد، يتنقل في العيش بين الجانبين.
وقبل سنوات قليلة صدرت أصوات في إسرائيل تدعو إلى فتح صناديق اقتراع لتجمعات الاسرائيليين في الخارج، إلا أن هذا الاقتراح لاقى معارضة شديدة من الحركة الصهيونية وأيضا لدى أوساط في الحلبة الإسرائيلية، كونه يشجع على الهجرة من إسرائيل، ومن ما يزال يلوح بهذا المطلب هو وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان، إذ يعتبر نفسه من أكبر المستفيدين من نظام كهذا، لكون أن المهاجرين الروس والجمهوريات الأخرى، الذين عادوا إلى أوطانهم السابقة متواجدين في مناطق جغرافية معروفة له، وبالإمكان الوصول إليهم والسيطرة على غالبيتهم، بدعم من قوى يهودية محلية هناك.
من الأسباب الرئيسية للتراجع الحاد في أعداد المهاجرين إلى إسرائيل في السنوات الأخيرة، هو انتهاء مصادر الهجرة الكبيرة، أي دول الاتحاد السوفييتي، وتقول تقارير الوكالة اليهودية- الصهيونية، إن 90% من أبناء الديانة اليهودية في العالم يعيشون في دول مستوى المعيشة فيها أعلى من إسرائيل، كذلك دلت سلسلة تقارير، ومنها تقارير لما يسمى بـ "معهد تخطيط سياسة الشعب اليهودي" التابع للوكالة اليهودية، على تراجع حاد جدا في الهجرة الأيديولوجية، وأصلا فإن نسبة هؤلاء ضئيلة من مجمل المهاجرين إلى إسرائيل، والوضع القائم حاليا يثبت هذا الاستنتاج.
فحسب معدل الهجرة في السنوات الأخيرة، فإن 1,1 شخص من كل ألف يهودي في العالم يهاجر إلى إسرائيل سنويا، وإذا ما خصمنا من هذه النسبة من يغادرون إسرائيل، بمعدل 10 آلاف إلى 11 ألفا سنويا، فإن معدل "الهجرة الصافية" إلى إسرائيل يصبح 3 أشخاص من كل عشرة آلاف يهودي في العالم سنويا.
ونضيف إلى هذا سلسلة كثيرة من التقارير التي أشارت في السنوات الأخيرة إلى ابتعاد الأجيال الشابة في أوطان اليهود المختلفة، وخاصة الولايات المتحدة، عن الاهتمام بالشأن الإسرائيلي وقضية وجودها، وحتى أن التعاطف معها يتراجع، وهذه المعلومات التي تقلق قادة الحركة الصهيونية، تتلاقى مع معطيات تشكل أكثر قلقا، وهي تحلل نسبة عالية جدا في أبناء الديانة اليهودية في العالم مع أبناء شعوبهم، وهذا نابع أساسا من الزواج المختلط، الذي تصل نسبته في دول الاتحاد السوفييتي السابق إلى 70%، وفي الولايات المتحدة إلى 50%.
ومثل هذا التزاوج والاندماج هو بداية النهاية للعلاقة مع الديانة اليهودية، التي تعترف فقط بيهودية من أمه يهودية، وفي غالب الأحيان، فإن الإبن يتبع انتماء والده الديني، ومن والده ليس يهوديا عادة لا يكون بصلة قوية مع يهودية أمه، أما من والده يهودي وأمه من ديانة أخرى، فإنه ليس معترفا به كيهودي، وتقول تقديرات للوكالة اليهودية، إن نحو 10 ملايين أميركي هم من "أصول يهودية"، بمعنى إما هم من أمهات يهوديات ولا يعتبرن أنفسهم يهودا، أو أنهم أبناء لآباء يهود، ولا تعترف بهم المؤسسة الدينية اليهودية، وهذا العدد لا يشمل 5,27 مليون يهودي حاليا في الولايات المتحدة.
وهذه العوامل تساهم في تناقص عدد اليهود في العالم، فمثلا حسب معطيات العام 2009، زاد عدد اليهود في إسرائيل حوالي 100 ألف بفعل التكاثر الطبيعي، ولكن في نفس العام تناقص عدد اليهود في دول العالم بحوالي 40 ألفا، وبذلك فقد زاد عدد اليهود ككل في ذلك العام بـ 60 ألف نسمة، وهو ما يشكل اقل من نصف بالمائة من إجمالي عدد اليهود في العالم بما فيه إسرائيل، 13,4 مليون نسمة.
لقد دفع شح الهجرة إلى إسرائيل، حكومتي إيهود أولمرت وبنيامين نتنياهو إلى وضع ثلاثة برامج على الأقل لاستقدام يهود من ذوي الإمكانات المالية، بما في ذلك إقناع حملة الجنسية الإسرائيلية بالعودة إلى إسرائيل، وتضمنت البرامج محفزات مالية وضريبية، خاصة لأصحاب رؤوس المال، وكان هذا كله، تحت شعار "الهجرة النوعية، ولكن كل واحد من هذه البرامج فشل فشلا ذريعا.
2- ارتفاع نسبة الأصوليين اليهود (الحريديم)
كان هذا حتى سنوات قليلة ماضية، حديثا محظورا، في الساحة الإسرائيلية، وهو أن نسبة الأصوليين اليهود ترتفع بوتيرة عالية جدا، ونسبة التكاثر بينهم تصل إلى ضعف نسبة التكاثر بين اليهود العلمانيين، إذا لم يكن أكثر، وهذا أمر بات على رأس جدول اهتمامات المؤسسة الإسرائيلية، ولربما أن من عبر عن هذا القلق في الآونة الأخيرة، كان أبرز رئيس لجهاز المخابرات الإسرائيلية الخارجية "الموساد" أفرايم هليفي، رجل المهمات الخاصة، الذي قال في مقابلة صحفية، يوم 4/11/2011، ردا على سؤال حول ما يسمى بـ "الخطر النووي الإيراني"، "إن ما هو أخطر من المشروع النووي الإيراني على إسرائيل، الارتفاع المتواصل في نسبة الحريديم".
وتختلف التقديرات حول نسبة "الحريديم" في إسرائيل، ولكن استنادا لنتائج الانتخابات البرلمانية فإنهم يشكلون ما بين 14% إلى 16% من مجمل السكان، ما يعني 17% إلى 19,5% من اليهود في إسرائيل، وقد عززت معطيات تقرير الفقر عن العام 2010، الصادر في نهاية العام 2011، فرضية نسبة الحريديم من السكان، الواردة هنا.
ففي حين أن نسبة التكاثر السكاني العامة في إسرائيل تتأرجح ما بين 1,7% و1,8% سنويا، فإنها بين المواطنين العرب 2,6%، وبين الحريديم وحدهم قرابة 2,8% وبين اليهود العلمانيين قرابة 1,4% وبين اليهود بشكل عام 1,6% إلى 1,7%.
وزيادة عدد "الحريديم" ظاهرة للعيان من خلال معدل الولادات، ففي حين أن معدل الولادات للأم اليهودية العلمانية هو في حدود 1,6 ولادة، فإن هذا المعدل يرتفع لدى الأم اليهودية الأصولية ما بين 7 إلى 9 ولادات، وربما أكثر، أما معدل الولادات لدى الأم المتدينة من التيار الديني الصهيوني فهو ما بين 4 إلى 6 ولادات، وهذا ما يرفع معدل الولادات لدى الأم اليهودية في إسرائيل إلى قرابة 2,8 ولادة، مقابل 3,7 ولادة لدى الأم العربية في إسرائيل.
ومشكلة الحركة الصهيونية والمؤسسة الإسرائيلية مع "الحريديم" تكمن في أنهم يرفضون الصهيونية من حيث المبدأ، ومن دوافع دينية محضة، على الرغم من أن غالبيتهم الساحقة في إسرائيل اختارت أن تتعايش مع هذا "الوليد الصهيوني" الذي اسمه إسرائيل، ككيان عابر، إلى أن يأتي المسيح لأول مرّة إلى العالم ويقيم مملكة إسرائيل.
ولكن هذا التعايش لم يكف، لأن الحريديم واصلوا العيش في مجتمعات منغلقة على نفسها، ومشاركتهم في الحياة العامة محدودة، فهم إراديا، يسجلون أدنى نسبة مشاركة في سوق العمل وهي في حدود 40%، وهم ليسوا منتجين بشكل عام، ومشاركتهم في سوق العمل تبقى في غالبيتها في داخل مجتمعاتهم، وأكثر من هذا، فإنهم يرفضون التجنيد العسكري الإلزامي، باستثناء بضع مئات سنويا، تخدم في الجيش في فرق معزولة، ولفترة اقل بكثير من فترة الخدمة الإلزامية التي تستمر للرجال 33 شهرا.
وفي نفس الوقت فإنهم يحصلون على حصة من الموازنة العامة، بقدر أكثر من الذي يصرف على المواطن العادي، ويحصلون على مخصصات اجتماعية، لكونهم لا ينخرطون في سوق العمل.
إلى ذلك، فإنهم جمهور غير مستهلك بالشكل والمستوى الاستهلاكي العام في إسرائيل، كونهم يعيشون حياة تقشفية، بعيدة بشكل كبير عن أدوات ووسائل العصر.
وفي حين أنهم لا يعملون بالقدر الكافي ولا ينتجون ولا يستهلكون بالقدر الكافي أيضا، ولا يشاركون في العبء الأمني، فإنهم من ناحية المؤسسة الإسرائيلية ومعها الجمهور العام، يشكلون عبئا اقتصاديا وأمنيا، وتزايدهم وتحولهم إلى نسبة عالية من اليهود والسكان، سيشكل مستقبلا خطرا على "علمانية الدولة"، أو على الجمهور العلماني الذي يسكن بجوارهم، وفي المدن التي يسيطرون عليها.
والنموذج الأوضح لإسرائيل في هذا المجال، هو ما يجري في مدن باتت فيها نسبة "الحريديم" عالية جدا، وتقترب إلى نصف اليهود، مثل القدس المحتلة وبني براك، ومستوطنات كبرى مثل "بيتار عيليت" و"موديعين عيليت"، إذ تفرض هناك أنظمة ومفاهيم دينية متشددة تتعلق بالحريات، مع تسليط خاص على جمهور النساء.
ولكن في نفس الوقت، فإنهم يشكلون مخزونا بشريا، يتكاثر بوتيرة عالية جدا، ويضاهي تكاثر المواطنين العرب، ولهذا ليس صدفة أن المؤسسة تسعى إلى نشر سكن الحريديم في مناطق عربية أو في مدن فلسطينية تاريخية باتت ذات أغلبية يهودية، مثل مدينة عكا.
وربما أن أكثر من عرض مشكلة الحريديم في إسرائيل في الفترة الأخيرة، كان البحث الديمغرافي السنوي الصادر عن جامعة حيفا في نهاية العام 2010، وأعده المختص الديمغرافي الإسرائيلي أرنون سوفير، ذو التوجهات العنصرية المتشددة تجاه العرب، وسلط فيه الضوء على تزايد الحريديم والمتدينين، وقال إن نسبتهم في العام 2030 ستكون 51% من مجمل السكان، بمعنى أكثر من 65% من اليهود في إسرائيل في تلك المرحلة.
ويقول البحث إنه في العام 2010 كان نحو 33% من الولادات في إسرائيل لعائلات حريديم، وحوالي 20% لعائلات دينية صهيونية، أضف إلى هذا، أن نسبة المواليد العرب من مجمل الولادات هي حوالي 24% بالنسبة للعرب في داخل إسرائيل، و27% مع المقدسيين العرب، وأمام هذه المعطيات، فإن نسبة المواليد لعائلات يهودية علمانية هي 23%.
ويقول التقرير، إن اقل بقليل من 50% من الأطفال في الصف المدرسي الأول كانوا في مدارس دينية يهودية بأنواعها المختلفة.
ويتحدث التقرير عن الارتفاع المتواصل لنسبة المتدينين اليهود في إسرائيل، إلى حد تحول إسرائيل إلى دولة متدينة، بينما تجري محاصرة العلمانيين في ما أسماها "دولة تل أبيب"، وهذا ما سيحاصر الجيل العلماني الشاب.
ويقول التقرير: "إن السؤال الذي لا إجابة عليه في العام 2010، هو: إذا ما سيرغب الشباب العلماني اليهودي مواصلة العيش في دولة دينية أم أنه سيغادر من هنا، وحتى في وقت قريب، خاصة وأن العامل الديني هو عامل واحد من جملة صعوبات منتظرة أمام الشباب"، ويقصد بذلك ارتفاع نسبة العرب وتراجع فرص العمل والسكن في المناطق العلمانية وبالذات في "دولة تل أبيب".
- خلاصة الأوضاع القائمة في نهاية الثمانينيات
1- إسرائيل وصلت في نهاية الثمانينيات إلى نقطة صدام غير مسبوقة مع ضرورة إنهاء الصراع.
2- سلسلة الأزمات الاقتصادية، والتهديد الدائم بهرب رؤوس الأموال دفع المؤسسة للبحث عن انقلاب في المفاهيم الاقتصادية القائمة.
3- المستقبل الديمغرافي يقلق الحركة الصهيونية وإسرائيل مع تنامي نسبة العرب باستمرار.
4- رغم أن كل واحد من الحزبين الكبيرين يسيطر على أكثر من ثلث المقاعد البرلمانية بالمعدل، إلا أنهما بقيا رهينة للأحزاب الصغيرة وخاصة الدينية الأصولية منها، وفي العام 1992 وقع ما ترفضه إسرائيل والصهيونية، وهو أن ترتكز حكومة في إسرائيل على أصوات المواطنين العرب.
(فصيلة "قضايا إسرائيلية"- الحلقة 1و2 نشرتا الاثنين والثلاثاء)
