دعوه نائمًا..!

single

عندما كانت جدتي تردد المثل "فالج لا تعاجل" لم أكن أفهم حجم الفالج الذي يتمثل بالشلل التام والعلاج الذي فقد مفعوله، حيث يكون اليأس هو الصورة الناطقة للحالة، وأي علاج سيكون مصيره الفشل.
وهكذا هي حياتنا الفلسطينية، منذ بداية المأساة التي سبقت بلفور وبعد بلفور واستمرت في تفجير الدم والرحيل واللجوء والهروب الى المصادرة، مصادرة كل شيء يمتد إلى الجذور الفلسطينية ، إلى شطب الوجود بجميع أشكاله والتآمر على الهواء الذي نتنفسه والماء الذي نشربه.
الفلسطيني لم يعد فقط ذلك المحاصر بالاسمنت والحواجز والحقد التاريخي. الفلسطيني اليوم محاصر بالاعترافات والعنجهية والعدوانية اللفظية الصهيونية. عناوين من أسياخ ساخنة تحرق الجلد الفلسطيني، وتقوم بتذويب آخر قطرات دم الكرامة والكبرياء..!
يعترفون ويقهقهون في تفاصيل القتل. ينزلون إلى آبار التفاصيل العميقة، كأنهم على رأي جدتي "قلعوا شرش الحياء". في صحيفة "يديعوت أحرنوت" يفرشون الكلمات لكي تصل إلى نصب الفخاخ وصيد رأس أبو جهاد- خليل الوزير، في تونس عام 1988، على الطريقة الجيمس بوندية. وحين نتوه في مربعات الخطط نكتشف أن الخلل قد برز من بين جنبات الأمن التونسي والفلسطيني. فليس من المعقول أن يسكن قائد معروف ومطلوب على شاطئ البحر بحراسة هزيلة، مع أن الأجواء تنذر بالتربُّص والقنص.
منذ اللحظة الأولى الكل عرف أن الموساد الإسرائيلي وراء مقتل ابو جهاد وغيره من القادة الفلسطينيين الذين لاحقهم الموساد واغتالهم. وأيضا ما زالت القوائم مليئة تنتظر التنفيذ. والسقوط في شبكة التعاون مع المحتل من الأمور العادية والطبيعية في أدبيات الشعوب التي وقعت تحت الاستعمار والاحتلال على مر التاريخ. فالمعادلة تقول ان هناك من يصمد وهناك من يقع وهناك من يطل برأسه ويقول: "أنا مالي". وبعد التحرير ونيل الحقوق والاستقلال قد تكون عملية الغربلة والنبذ لهؤلاء الأشخاص، أو تكون المسامحة والمصالحة ، وعفا لله عما مضى..!
لكن الشيء العجيب أننا نسير ولا نقف عند محطات الاغتيال. نقلب الصفحات بسرعة. لا نحاسب ولا نجادل، وتكون الجثث المخترقة بالرصاص والدم النازف في الصناديق، ويتم دفنها أثناء اللقاءات والمفاوضات دون أن يحاول الفلسطيني رفع غطاء الصندوق والنظر إلى العيون المحدقة والحناجر المطالبة برفع صوتها.
منذ موت الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وشائعة الاغتيال تلف وتدور في الأروقة والقاعات والشوارع والحقول والبيوت. تحاصر الشعب الفلسطيني، تغمز وتلمز وترفع حواجب التعجب. إنها تعرف ولا تريد أن تعترف. أحجية فلسطينية نتيجة الضعف والتخاذل. ثم يأتي المحقق حمد- فضائية "الجزيرة"- الذي قلبها معذب على قتل الرئيس..!! وعبر قصص أشبه بالأفلام البوليسية، تكتشف أن ملابس عرفات حسب ذمة المعهد السويسري كان عليها مستويات عالية من البولونيوم المشع، وان الخبراء سيقومون بإخراج جثته لمعرفة هل فعلا تم اغتياله..!!
لماذا سيخرجون جثة عرفات..؟! حتى لو عرف الشعب الفلسطيني أن قائدهم قد قتل، هل سينتقم لمقتله ويثير الزوابع ويطالب بالقصاص من القتلة؟! وكيف وبأية وسيلة ؟! هل هذا الشعب الذي يتعرض يوميا للانتهاك يملك زمام أمره ، المربوط بالاقتصاد والدول المانحة والمعرض دائما لقطع المنح بأية حجة من الحجج، والمصادرة والاقتحام..؟! دخل الجنود والمستعربون إلى مطعم في مدينة رام الله، معقل الرئيس أبو مازن، واعتقلوا بعض الشباب الفلسطيني دون أي احترام للسلطة الفلسطينية، ورائحة الدولة وبريق المقاطعة التي تستقبل يوميا سفراء الدول والوزراء.
لماذا لا يتركون الرئيس عرفات نائما؟! لماذا يزعجون جسده ويخرجون بقاياه كي يتحققوا من سبب موته؟! لو عرفوا حقيقة التسمم هل سيقومون بالانتقام له؟!! هذا هو السؤال الخالد. وكيف سيكون رد الفعل الفلسطيني، أم نبلع الاهانة كما بلعنا غيرها وغيرها. اذ قالوا "الراجع في كلامه كالراجع في قيئه"، ونحن رجعنا في كلامنا كثيرا، وأكثر مآسينا الفلسطينية هي نتيجة التراجع في ثوابتنا.
إذا كانوا يعتقدون أن أحد زعماء العرب سيتحرك، نقول لا أحد سيتحرك..!! جرّبناهم كثيرا، العالم العربي صمت صمت الحملان عندما حاصر الديناصور شارون المقاطعة، وترك عرفات تحت رحمة أنياب الجرافات وقصف الدبابات من غرفة إلى غرفة. الذين تركوه حيا ليقتل، هل سيفكرون فيه وهو بقايا عظام..؟! لذلك اتركوه نائما حتى لا نُفضح أكثر..!

قد يهمّكم أيضا..
featured

أحمد سعد مع الخالدين

featured

غازي شبيطة، مناضل ومثقف ثوري

featured

تغْييب الأنبياء

featured

قانون الحَسمَسَة

featured

التهدئة ضحيّة المحكمة الــدولية وعدوانية إسرائيل

featured

"حماس" بين "الإخوان" والمانعة