أحمد سعد مع الخالدين

single

ترعرع في حالة التشرد والنزوح ،  ولأنه من المميزين نمت معه قوه الصمود والتحدي. وكان رد فعل النكبة عند الكثيرين اليأس والاستسلام في تلك الحقبة من الزمن ، أما هو فقد اختار العمل على مقاومة التيار الذي فرضه الثالوث الدنس (الاستعمار المتمثل بالانتداب البريطاني على فلسطين ، والحركة الصهيونية ، والرجعية العربية.) وتعرف على الطريق القويم في الوقوف ضد سياسه التجهيل والتعتيم والتيئيس. فوجد مكانه في صفوف الشبيبة الشيوعية ومن ثم الحزب الشيوعي ،عرف بذكاء الفطرة أن الحق لايمكن أن يضيع ما دام وراءه مطالب. والمطالبة المجديي والنافعة المبنية على أسس وقواعد سليمة مدعومة بالمواقف المبدئية المثابرة ،هذه المبادئ التي وجدها عند الشيوعيين .فازداد في صفوف الشبيبة علما وحكمة ومعرفة الى أن جاءته الفرصة لينمي هذه المعرفة بالدراسة الماركسية اللينينية في معاهد الاتحاد السوفييتي .اما فقد عرفته لأول مرة في اواخر الستينيات ، عندما زارنا وفد من الشبيبة الشيوعية اللينينية من الاتحاد السوفييتي(الكمسومول اللينيني.) فكان علي ان ارافق الوفد اثناء زيارته لمنطقة الناصرة،فبينما انا في انتظارهم تقدم شاب اسمر وسيم يتكلم الروسية بطلاقة وعرفت انه الرفيق احمد سعد، الذى  يدرس هناك . وجاء مع الوفد مرافقا وبدا عليه الاهتمام والجدية وتحمل المسؤولية، تقدم احمد سعد في طموحه ونضاله وكفاحه. فكان مناضلا عنيدا ومخلصا حتى النهاية لمبادئه الانسانية ومحبا للناس الكادحين العاملين فاحبوه ،فترجم  هذا الحب بالكتابات التي كان ينشرها يوميا عن احداث شارك فيها وعرفها وسمعها ولانه بحسه الوطني الصادق رأي من واجبه ان يكتب القصص والاحاديث ليخلد هذا الجندي المجهول من ابناء شعبنا الذين بعفوية قاوموا ظروف النكبة، وقاوموا سياسة الحكومات المتعاقبه التي تعتمد سياسه الحركه الصهيونيه،المبنيه على اساس سلب الاراضي العربية ،تحت شعار ارض بلا شعب لشعب بلا ارض، فهذه السياسة تحتاج الى اثبات ان الشعب العربي الفلسطيني الباقي في وطنه لا يستطيع ولا يمكنه امتلاك هذا الوطن ولا كيان يمكنه ادارته ولادولة يستحقها ،وكل ما يستطيعه ان يكون منفذا مطيعا لساسة هذه النخبة التي عليها ان تبني الدولة والوطن. فعرف احمد سعد ان من واجبه تخليد هؤلاء الناس الذين منذ  البداية قاوموا هذه السياسة وحاولوا اثبات الحقيقة. لذا عمل على تخليد هذه الاحداث لتكون عبرة ودروسا وتكون حجة دامغة ، لدحض ومقاومة هذه الافكار الخبيثة. كان همه الاول والاخير افشال سياسة السلطات الحاكمة فتشعر في كل كلمه يقولها او يكتبها مكرسة لهذا الدور وهذا الموقف، لذا لم يكن يطمح الى اهداف شخصية بل كان يرى في مكانته ومركزه خدمة لهذا الشعب .
في الاشهر الاولى من سنة 1993 كنا نوزع العمل فيما بيننا فكان هناك جدال بين المسؤولين في اي عمل يقوم به الرفيق احمد سعد.أن يكون المسؤول الأول  عن العمل التنظيمي في الحزب ، فأبدى هو نفسه رغبة في هذا المجال ، أما انا عارضت بشدة وكان اقتراحي ان يتسلم مهام اساسية في التثقيف  والاتحاد ، لكي يتفرغ اكثر للكتابة والدراسة والتدريس،فابدى استغرابه من موقفي وقال لي انا استغرب منك هذا الموقف ، واستفسر ماهى الدوافع لهذا الرأي وأنه لاول مره  نصطدم بهذه الحدة، فقلت له بصراحة تامة ،اذا تسلمت هذه المهمة التنظيمية في هذه الظروف المعقدة وحالة التراجع فانك ستقضي كليا على دورك الاساسي لأنك ستقضى وقتك كله عبثا وتهمل عملك الذي نستطيع الابداع فيه والنجاح والاستفادة والافادة، فالحزب والشعب بحاجة ماسة   لفكرك وقلمك. فاذا تسلمت المهام التنظيمية فستقضي كليا على مقدرتك العلمية والفكرية فنحن بحاجة لك في المجال الآخر.لأن قدرته على دراسة وتحليل الاحداث والمستجدات، وافكاره التي تنساب كالسلسبيل وقلمه الحاد والسيال  هو السلاح الذي تحتاج اليه  . فكانت صفحات الاتحاد مليئة بمقالاته التي تدل على الطريق الصحيح والتي  توثق الاحداث التاريخية ، هي الاساس وهي الأهم  .فكان معطاءا لابعد الحدود ويقدم التضحيات لابعد الحدود ، ووقف صلبا صامدا في مواجهة التحديات، ولا يسمح للياس والتراجع ان ينتصرعليه، رغم كل الظروف والمواجهات، وكان يصبر ولديه قدرة على التحمل . ففي الفترة الاخيرة وصلت صحيفة الاتحاد الى وضع صعب جدا وكان الجدال مع اصحاب الرأي القائل في صفوف الحزب باعادتها الى صحيفة اسبوعية. ورأى احمد سعد ان هذا الامر مستحيل فعلى الاتحاد ان تبقى يومية،فعرضت مساعدتى لمعركة صمود وبقاء الاتحاد يومية  ، فرحب بالفكرة  قائلا نحن بحاجة لك في الاتحاد. وكان هذا الاتصال بعد فترة طويلة من الانقطاع القسري ، توجهت الى بيت الصداقة في الناصرة حيث انتقلت الاتحاد الى هناك بسبب الاوضاع المالية الصعبة واستطيع القول القاتلة ، التي أدت الى انعدام وجود عاملين في الاتحاد فكان علي ان اساهم معه في مراجعة المقالات والكتابات وتصحيح الاخطاء المطبعية،وجمع الاشتراكات وملاحقة الديون المتراكمة والموزعين الذين كثرت أضراباتهم عن التوزيع والمشتركين الذين ازدادت شكاويهم وهددوا بوقف الأشتراك ، ومنهم الكثيرين الذين فعلا اوقفوا أشتراكهم. . فلم يكن هناك الا احمد سعد والعاملة في المطبعة ورفيقين آخرين. فعملنا معا موصلين الليل بالنهار الى أن صمدت الاتحاد واستمرت  في الصدور وعملنا سوية في الظروف القاسية  في الناصرة الى ان استطعنا العودة الى حيفا حيث مكان اوسع واسهل للعمل. في احد الايام سمعت صوت الرفيق احمد  يعلو  ويصرخ وكان السبب ماليا طبعا والحالة المادية الصعبة التي تمر بها الاتحاد لا تمكنه من تسلم راتبه، لذا عليه ان يتدبر اموره المالية عن طريق البنوك ،والبنك يرفض كليا الاستمرار في تقديم القروض او التسهيلات المالية للاتحاد ،ومع هذا كله كان يرفض بشدة وبلهجة  لا تقبل الجدل مع الرأي القائل بوقف صدور الاتحاد يوميا ،فعملنا معا ليل نهار وقمت مع اخرين في جمع الاشتراكات والتبرعات للاتحاد حتى صمدت واستمرت في الصدور. وعندما بدأت الامور تتحسن، ساءت حالته الصحية. وكان الاقدار تحاربه وتقف له بالمرصاد،او كأنها امتحان لقدراته على الصمود وتحدى المعيقات، وعلى اجتراح الصعاب . فارادته القوية ورغبته الجارحه في استمرار العطاء رافقته الى اللحظة الاخيرة على الرغم من ان جسمه بدأ يضعف ولم يستطيع الصمود في احتضان روحه الثائرة ، روحه المقاومة ، روحه الصابرة الصامدة ،ففارق الحياة وهو مصر على التحدي . ستبقى ذكراك يا د. أحمد خالدة وستبقى مثلا ساطعا ونبراسا مضيئا للأجيال القادمة .

 

(يافة الناصرة)

قد يهمّكم أيضا..
featured

كيف تقهر الكوليستيرول

featured

صرخة عسفاويات

featured

صودر العيد والارض والهوية

featured

ما بعد مجلس الأمن !

featured

الشروق والغروب

featured

كرة قويّة مسدّدة!

featured

سنبقى مخلصين لهذا الطريق

featured

عنصرية الانتخابات