في مثل هذه اللقاءات، أي ذكرى الأربعين أو الثلاثين أو السنة نقوم في الواقع بمحاولة الاستفادة الفكرية أو السلوكية أو الأخلاقية من حياة المتوفى للأجيال القادمة ولنا فنأخذ من حياته ما ينفعنا كشعب وكمجتمع وكحزب لمستقبلنا.
رفيقنا غازي شبيطة "أبو وهيب" مدرسة للعديدِ من هذه الزوايا التي ذكرتُها حسبما عرفته وعايشته في منطقة المثلث وحياتنا الحزبية المشتركة قُطريا.
أولها العمل بما اقتنع به، فبدون القناعاتِ الفكريةِ لا يستطيع الانسان أن يبدع في عمله ولذلك كان "أبو وهيب" مقتنعا حتى النخاع بخط حزبنا السياسي والفكري ومن خلال هذه القناعات عملَ وناضلَ نضالا عنيدا لا هوادة فيه زار القرى المختلفة من منطقة المثلث من سالم وزلفة شمالا حتى كفرقاسم جنوبا، وتحدث عن نواقص هذه المنطقة الموضوعية، وكذلك عن إمكانياتها وضرورة استثمار هذه الامكانيات للعمل والنجاح في تقوية الحزب والمنطقة.
أذكر تشجيعه عندما بدأنا في زمن مبكر بمعالجة قضية تثبيت "دار الحنون" واستعداده لسماع الاقتراحات لتطوير عملنا والدفاع عن بقاء هذه القرية العزلاء والمنسية وغير المعترف بها حتى يومنا هذا، في حين تقوم السلطات ببناء مستوطنة حريش على مرمى حجر من هذه القرية التي أسست عام 1923م أي قبل قيام الدولة،وكيف وصلنا لإيصال جريدة "الإتحاد" لكل بيوت القرية والكتابة عن مشاكلها، وأصبح النضال لبقاء سكانها وعدم ترحيلهم جزءا هاما من حياة المنطقة، ويجب أن يبقى كذلك.
أذكر كيف عمل معنا في العام 1976م بعد يوم الأرض ومحاولة السلطة تنفيذ وثيقة كيننج في عارة وعرعرة عن طريق تشجيع الاقتتال الداخلي العائلي، وكيف استشعرنا في المنطقة والفرع خطورة ما تخططه السلطات في ذلك الحين وكيف سهرنا نكتب المنشور الأول معه في بيت طيب الذكر الرفيق زهير طيارة في كفرقرع وطباعته في الطيبة والعودة قبل السادسة صباحا إلى عرعرة وعارة لتوزيع المنشور على البيوت وعلى الأهالي الذين لم يدركوا مع الأسف خطورة مؤامرة السلطة عليهم، ووزعنا المنشور قبل أن يمس أحد في القرية أخاه وابن بلده وجاره، ولما لم يسمعوا صوت الشيوعيين النقي والأصيل حدث ما حدث من قتل وحرق، وكان في هذا المجال دور بارز كذلك لرفيقنا خالد الذكر محمود حسين حصري "أبو العفو" ورئيس المجلس الجبهوي في ذلك الحين محمد مصطفى محاميد " أبو ماجد" وأهالي أم الفحم وقراها الذين أتوا ونظموا تواجد أهالي أم الفحم والمنطقة بعد عملية القتل المؤسفة، هذه القيادات التي كانت تعمل بمسؤولية متكاملة وأصيلة في حياة قرانا هي مدرسة شعبنا التي يجب أن تُحتَذى، في تلك الفترة، كنا نحن الشباب، في ذلك الوقت نستمد الحكمة والدراية وأساليب النضال من هذا الجيل، من أمثال غازي شبيطة الذي لم يتركنا ولم ينم تلك الليلة وهو يقترح وينقح ويكتب معنا واستمر بالتعاون كقائد للمنطقة.
محطة قيادية أخرى له - للمثال وليس للحصر - في المحافظة على الأساس وهي قيادة الجماهير والدفاع عنها عندما كنا في تحالف مع طيب الذكر عبد اللطيف حبيب كرئيس للمجلس البلدي في الطيبة، وكانت عليه ضغوط لعدم تنفيذ الاتفاق معنا، بأن يكون الرفيق طيب الذكر عبد الحميد أبو عيطة قائما بالأعمال مع راتب، فجاء غازي لسكرتيريا المنطقة وقدم اقتراحا بأن لا نكون سببا في فرط ائتلاف ديمقراطي حتى لو كان هناك عدم تنفيذ للإتفاق بيننا وبين الرئيس على مثل هذه القضية التي يعتبرها الحزب جانبية مقابل القضايا السياسية الكبرى وهي المحافظة على كفاحية مجالسنا البلدية وديمقراطيتها، وأذكر موقف الرفيق عبد الحميد أبو عيطة الشهم أيضا وكيف خرجنا بقرار زاد من تقدير أهالي الطبية ورئيسها لحزبنا ولنهجنا.
كقائد امتاز ابو وهيب بمتابعة الاحداث وقرارات المنطقة وتقديم الاقتراحات التي ربما لم توافقه عليها ولكنه قدم ما اقتنع به وما رآه الحزب صحيحا لنعمل به.
حاول رؤية وإمكانية ضخ دم جديد لمنطقة الحزب وكان يشاور حول امكانيات هذا الرفيق أو ذاك ليقدمهم للعمل الحزبي لزيادة إمكانيات خدمة الجماهير العربية وحزبها الشيوعي.
كان مقتنعا حتى النخاع بالأخوة اليهودية العربية على أساس الندية والمساواة وأن مصلحة الجماهير العربية بتحويل الأكثرية عن الفكر الصهيوني إلى الفكر الأممي فكر الحزب هي مصلحة واقعية وضرورية ويجب العمل ليل نهار لتغيير هذا الواقع المر في إسرائيل وهذا هو موقعنا والنضال من هذا الموقع هو الأصل.
واسمحوا لي أن أخاطبه مباشرة أمامكم، على المستوى الشخصي كنت نِعْم الصديق الوفي، قدمت النصيحة النصوح على مستوى قضايا بيتية وعائلية شخصية وكنت لي الناصح الأمين من موقعك كقائد وأثناء الضغوطات السلطوية علي كمعلم والتي تعددت أشكالها ولات حين ذكرها فقد عرفتها أنت بأدق تفاصيلها.
على مستوى الفرع قدمت كل ما يمكن من قائد منطقة عندما طلبنا منك شراء ناد للفرع عملت كل ما يمكنك لتحقيق ذلك باعتبار أن هذا الفرع باق وها هو فرعنا باقٍ ونعتز بالرفاق الذين تربوا بهذا الفرع ويقودون عمل المنطقة والجبهة والعمل النقابي بحكمة وروية وثورية.
أذكر مهاتفتك لي عندما قررت العودة للأدب وكتابة الشعر وكنت في قصائدك تعبر عن فكرك الأممي والثوري، وكم كنت تفرح عندما كان زميلي د. يوسف بشارة مدير مدرسة النجاح الابتدائية يقدم أحفادك ليلقوا بعض قصائدك أمام زملائهم في طابور الصباح أو في احتفال مدرسي.
وأخيرا أنت الذي كنت تقول:" من لا يعمل لا يخطئ ".. ولذلك قد تكون هناك أخطاء في مسيرتنا كمجموعة.. ومسيرتك أو مسيرتي كأفراد... ولكنها ليست خطايا متعمدة لذاتها.
فنم قرير العين فالدرب سنملأه وردا وسنابل.. ولا بد للزمن الذي ناضلت من أجله بجعل هذه الدنيا جنة لأطفالنا ولأطفال العالم أن يأتي وسيأتي رغم أنف الظالمين.
(نص الكلمة التي ألقاها الكاتب في يوم الأربعين للمناضل غازي شبيطة (1933-2013)، في قاعة المركز الثقافي البلدي في الطيرة وذلك في يوم السبت الموافق 06-07-2013)
(عرعرة – المثلث)
