تشهد السنوات الأخيرة تحولات حبلى بالمخاطر بالنسبة لهذا الجزء، الحي والواعي، من الشعب العربي الفلسطيني في البلاد، في ظل تزايُد العنصرية المبطَّنة والعلنية، وتصاعُد التوجهات الفاشية في المجتمع الإسرائيلي، وانتقالها عمليًا ورسميا إلى مركز حلقات اتخاذ القرار السياسي في الدولة. لكنّ هذه التطوُّرات والتحولات إنما يجب أن تزيدنا عزمًا، كمجموعة قومية أصلية، على السعي المتواصل للحفاظ على عافيتنا الوطنية والاجتماعية والمدنية، ضمن مجهود جماهيري، جماعي ومدروس.
وها هي محكمة "العدل العليا" الإسرائيلية، وفي غضون أسبوع واحد، تمتنع عن إبطال أحد القوانين الأكثر مساسًا بحقوق الإنسان والمواطن وبحرياته الاساسية، "قانون النكبة"، ثم تصادق على أحد أكثر القوانين عنصرية في البلاد - قانون المواطنة، الذي يمنع منذ العام 2003 لم شمل العائلات الفلسطينية من طرفي الخط الأخضر، ويمس بذالك بحقوق طبيعية لكل إنسان بإقامة عائلة والعيش معها بحرية وكرامة. بل ويبقي قرار المحكمة بذلك على آلاف العائلات الفلسطينية، من الأزواج والاولاد، مشتتة ومنقسمة بكل ما يرافق ذالك من آلام ومشقات حياتية يومية وغير إنسانية.
ثمة علم أسود يرفرف فوق المحكمة العليا في ظل هذه القرارات القضائية، وهو يطل الان على علم أسود أخر فوق البرلمان الإسرائيلي في ظل تشريعاته الأخيرة.
من الأهمية بمكان التوضيح في هذا السياق أن الوضعية القانونية في إسرائيل في مجال الهجرة والتجنس هي وضعية تمييزية ضد المواطنين العرب حتى قبل تعديل قانون المواطنة المذكور في العام 2003. فبحسب "قانون العودة" فان أي يهودي في العالم يستطيع سوية وأبناء عائلته، بما في ذلك غير اليهود منهم، الهجرة إلى إسرائيل والحصول على المواطنة الإسرائيلية اوتوماتيكيا، دون قيد أو شرط تقريبا.
وهكذا فان مصادقة المحكمة العليا أول أمس على التعديل الأخير لقانون المواطنة جاءت لتزيد من حجم التمييز والإقصاء ضد المواطنين العرب في هذا المجال عن طريق شرعنة منع المواطنين العرب من التزوج من أهلهم الفلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين. التعديل جاء إذا استمرارا للقوانين التمييزية ضد العرب في مجال الهجرة والتجنس وتعميقا إضافيا لهذا التمييز، بحيث ينظر القانون الإسرائيلي في هذا المجال إلى المهاجر اليهودي الجديد إلى إسرائيل "كالعائد إلى بلاده"، أما الفلسطيني الذي يريد أن يعيش مع عائلته وأهله وأبنائه في وطن آبائه وأجداده فهو "متسلل" يجب منعه من المكوث في البلاد.
وبعد مصادقة "العدل العليا" هذه، فليس فقط اننا أمام قوانين تمنح الأغلبية اليهودية امتيازات حصرية على حساب الفلسطينيين، بل أيضا أمام قوانين تمارس الاضطهاد الرسمي على أساس تصنيف قومي في إحدى أهم الحلقات في حياتنا الاجتماعية، بل نواة هذه الحياة: الحلقة العائلية. وللأسف، فقد تجند هنا حقوقيون وأكاديميون يهود بارزون لدعم القانون، الأمر الذي سهل كما يبدو من مهمة قضاة المحكمة العليا ومهد الطريق أمام الأغلبية في المحكمة للمصادقة على القانون.
وبالرغم من أن داعمي القانون، بما في ذالك قضاة الأغلبية بالعليا، يعرضونه على أنه يعتمد على "احتياجات أمنية" إلا أنه في حقيقة الأمر فأن محفزات هذا القانون (كما يعرف القاصي والداني) هي ديمغرافية بحتة: أسباب عنصرية كريهة. إذ يأتي هذا التعديل لتعزيز السياسات الإيديولوجية للدولة في مجال الهجرة والتجنس: يهود أكثر وعرب اقل (على أرض أقل) داخل إسرائيل. إن من يراجع المداولات السياسية حول الموضوع في جلسات الكنيست وفي الجلسات الوزارية، ومن يراجع تصريحات السياسيين الإسرائيليين عشية سن القانون يجد أن الجانب الديموغرافي احتل حيزا جديا من الخطاب الإسرائيلي حول "التجنس" ان لم يكن الحيز الأكبر. إن من يصرح علنا أن العرب هم "مشكلة ديموغرافية" في إسرائيل فمن السهل أن ينزلق إلى استعمال الأدوات القانونية لمواجهة "المشكلة" وتصبح المسافة قصيرة بين التصريحات العنصرية وتشريع القوانين التي تترجمها على ارض الواقع.
واستذكر هنا مقولة الزميل المحامي د. شلومو كوهين، رئيس نقابة المحامين في إسرائيل سابقا، حين تساءل كيف يطبق الشعب اليهودي سياسة من الاضطهاد العرقي عانى منها بنفسه في فترات مظلمة من التاريخ؟ وللحقيقة، فقبل إن يكون موضوع قانون المواطنة متعلقا بحقوق المواطن العربي فهو متعلق، قبل أي شيء، بالقيم المجتمعية والأخلاق الإنسانية التي تحملها المجموعة المسيطرة داخل الأغلبية اليهودية، بل داخل أروقة محكمة "العدل العليا".
