"حماس" بين "الإخوان" والمانعة

single

بعد إقامة السلطة تعزز دور "القسام" في صفوف الحركة وارتبطت شيئًا فشيئًا بالخارج لتلقي الدعم المالي والأسلحة والتدريب


انسجامًا مع إرث الإخوان المسلمين، المعروف، لم يكن تنظيم الإخوان في فلسطين " في الضفة الغربية وقطاع غزة " ــ والذي كان أقرب لفكر جماعات الدعوة هذه الأيام ــ يخوض في العمل السياسي، ولا يتدخل في ما له علاقة بالسياسة، لا من قريب ولا من بعيد، وأول حضور له، ظهر مع بداية ثمانينيات القرن الماضي، انطلاقًا من "المجمع الإسلامي" في غزة، ارتباطًا بالشيخ أحمد ياسين، الذي نشط، في ذلك الوقت في القيام بدور "جامع التبرعات" والمساعدات الإنسانية للفلسطينيين، من بعض الدول العربية، ثم تطور الأمر إلى البدء بإقامة سلسلة من الجمعيات والمؤسسات ذات الطابع الخدماتي والاجتماعي، التي صنعت القاعدة الاجتماعية للجماعة.
أول ظهور على خشبة المسرح السياسي، كان على شكل احتكاكات مع فصائل العمل الوطني، خاصة قوى اليسار، بما يؤكد الانتماء "العقيدي" للجماعة، التي بدأت في اتخاذ الموقف المناهض لهذه القوى، من بوابة عدم التزام هذه القوى بتقاليد الدين الحنيف، وحين اندلعت الانتفاضة عام 1987، اضطرت الجماعة إلى اللحاق بها، خاصة أن مجموعة الجهاد الإسلامي، كانت قد ظهرت قبل ذلك بوقت، وأحرجت إخوان فلسطين، حين "مزجت" بين الفكر الإسلامي وممارسة الكفاح الوطني، بما هدد بسحب البساط من تحت أقدام الجماعة التي صارت لها قاعدة مجتمعية مهمة، خارج إطار سيطرة (م.ت.ف) وضمن مجموعة مؤسسات العمل الخيري المدعوم من تنظيم الإخوان على النطاق العربي ومن بعض الدول التقليدية، خاصة السعودية.
بعد اندلاع الانتفاضة بعدة أشهر، أعلن عن تأسيس حركة المقاومة الإسلامية "حماس" كاختصار للحروف الأولى من الاسم، ولم يتضمن الاسم، إشارة إلى انتماء الحركة لفلسطين، بعكس كل فصائل العمل الوطني "فتح، الشعبية، الديمقراطية وحتى الجهاد الإسلامي في فلسطين" وما كان على هذا النحو سوى بعض الفصائل ذات الفكر القومي أو الأممي أو المرتبطة بأنظمة عربية، مثل جبهة التحرير العربية، كذلك على شاكلة بعض الأحزاب التي لا تقيم وزنًا للانتماء الوطني بقدر التزامها العقائدي، مثل حزب التحرير الإسلامي.
المهم أنه حتى بعد إعلانها، أصرت حركة حماس، على التفرد، وعدم الدخول في أية صيغ تحالفية أو جبهوية مع الفصائل الأخرى، كانت تقريبًا لكل الفصائل قيادة موحدة للانتفاضة، تصدر بياناتها باسمها إلا حماس، بعد سنوات قليلة، وبعد تراجع الطابع الشعبي للانتفاضة، بممارسة بعض أشكال العنف والكفاح المسلح، بدأت الناس تسمع عن كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحماس. وقد كانت الحركة حريصة لأسباب أمنية بالدرجة الأولى، وربما لأسباب سياسية أن تضع حاجزًا فاصلاً بين القيادة السياسية والقيادة العسكرية، على عكس التنظيمات الفلسطينية القائمة والتي مارست الكفاح السياسي والمسلح قبل حماس بأكثر من عقدين من الزمان.
وقد ساعدت على ذلك الطبيعة العنقودية للتنظيم الإخواني المختلفة عن هيكل التنظيمات الهرمي، وهذا يؤدي إلى نتيجتين: الأولى، عدم انفراط عقد التنظيم في حالة تعرضه لضربات أمنية، والثانية، وجود مراكز قيادية متعددة، كذلك عدم مركزة التنظيم حول رجل واحد، ومنح الفرصة لظهور قيادة متعددة الأفراد، أو قيادة جماعية، وربما كان الإرث واضحًا عند تنظيم "الإخوان" في كل من مصر والأردن، حيث يعتبر هذا التنظيم من أقل التنظيمات والأحزاب العربية تكريسًا للقيادة الفردية، التي ترتبط بشخص الأمين العام، حيث يمكن أن يقال إنه على قدر "سلفية الفكر الإخواني" إلا أنه على الصعيد التنظيمي ربما يتمتع بـ "ديمقراطية عصرية"!.
مع ذلك وكما حدث مع مكانة حسن البنا، مؤسس حركة الإخوان، حدث أمر مشابه مع الشيخ أحمد ياسين بالنسبة إلى تنظيم إخوان غزة بالذات، حيث إن كونه مؤسس حركة حماس، جعل منه قائدًا مفردًا، لا مشارك له، فضلاً عن عدم وجود أي شخصية تنازعه القيادة التي جمعت بين الجانب الروحي والسياسي / التنظيمي، وبقي الحال هكذا، إلى أن بدأت الناس تسمع عن شيء اسمه المكتب السياسي لحماس - تقليعة على شاكلة الفصائل الفلسطينية، وهي ليست تراثًا ولا إرثًا إخوانيًا - حيث هناك مجلس الشورى ومكتب الإرشاد، في البداية كان يقصد به إدارة شؤون الحركة بالخارج، أي توفير الدعم المالي، الإعلامي والتأييد السياسي، أي أشبه بمكتب علاقات خارجية، وبقيت قيادة الشيخ ياسين هي قيادة الحركة إلى أن استشهد، بعد وقت قليل من انتقال مكتب سياسي حماس إلى دمشق، بعد أن كان بالأردن ثم في قطر لفترة وجيزة، وكان أمرًا عاديًا أن تنتقل قيادة المكتب السياسي من موسى أبو مرزوق لخالد مشعل بسبب اعتقال الأول في أميركا، كدليل على عدم الأهمية القصوى لهذا المكتب، وبعد إقامة السلطة ومن ثم خروج إسرائيل من غزة والدور الكبير الذي لعبته "القسام" في تغيير طبيعة المواجهة مع إسرائيل، أي دورها في جر السلطة إلى "الانتفاضة الثانية" بعد أن كان أبو عمار يلوح بها كورقة ضغط فقط على الإسرائيليين، تعزز دور القسام في صفوف الحركة، وارتبطت شيئًا فشيئًا بالخارج، لتلقي الدعم المالي والأسلحة والتدريب، وهكذا ولأن قادة وكوادر القسام ليسوا بالضرورة من قيادات الإخوان، بل هم شبان مقاومون بالأساس، بدأت تظهر الفجوة بين فكر وتراث الإخوان وبين فكر الممانعة "المقاوم" على طريقة حزب الله، وفي حين كان إخوان حماس وتراث الإخوان فيها يسعى إلى تعديل المعادلة حتى لا تقع حماس بالكامل في جيب الممانعة الإيرانية / السورية، خاصة أن هذا الحلف موسوم بالطابع الشيعي / العلوي، كان تحالف المكتب السياسي والقسام في الداخل، يبتعد عن فكر الإخوان، ويغوص في دهاليز السياسة والصراع المحموم مع السلطة، وفي حين أظهر المستوى الأول شيئًا من الاعتدال خاصة في ملف العلاقات الداخلية، كان المستوى الثاني يظهر التشدد والتطرف. وصولاً إلى ظهور تركيا ومحاولة التيار الإخواني (هنية والمستوى الرسمي، وتقريبًا، معظم قيادة غزة) إدخالها على الخط للتخلص من تحكم إيران / سورية في سياسة الحركة، وصولاً إلى دور الإخوان في مصر ما بعد حسني مبارك، وقد ظهر ذلك جليًا مؤخرًا في التباين في موقف الشيخ يوسف القرضاوي وخالد مشعل من الثورة السورية، حيث جاهر الأول بتأييده للشعب والثاني للنظام.
هذا يعبر تمامًا عن أن دخول إخوان مصر، وربما إخوان الأردن دائرة المشاركة الفعالة بالثورة، مع واشنطن، ومن ثم التوافق مع أميركا على المشاركة في الترتيبات الإقليمية القادمة، سيعني مزيدًا من ابتعاد الإخوان عن دائرة الممانعة، وسيظهر هذا جليًا على شكل صراع داخلي محموم في داخل حماس، التي تعتبر، طليعة الإخوان المقاتلة، والتي دخلت برجليها كاملتين دائرة الممانعة، لذا قد يصل الأمر إلى "طلاقات" بين الإخوان هنا والإخوان هناك، لذا قد يكون الحل، ليس لحماس وحدها ولكن لمجمل الحالة الفلسطينية، هو بممارسة الضغط على قيادة دمشق، وعلى خالد مشعل ليذهب إلى غزة ولا يبقى في دمشق، فغزة محررة، ومجاورة لنظام مصري إن لم يكن صديقًا فهو ليس عدوًا، وهو ليس أفضل من ياسين ولا الرنتيسي ولا نصف الشعب الفلسطيني، المقيم بالوطن، وليس من داع لقيادة الشعب وحماس بالريموت كونترول من الخارج، خاصة من دمشق، التي لم تعترف يومًا بدولة فلسطين التي تعتبرها جنوب سورية المحتلة (ليس الجولان بالطبع)، ولم تكن يومًا على علاقة جيدة مع الإخوان المسلمين، الذين ارتكب بحقهم الأسد الأب مذبحة حماة.

 

* كاتب فلسطيني

قد يهمّكم أيضا..
featured

هذه قمة العنصرية يا اعداء الشعوب

featured

" سكت دهرا ونطق كفرا "

featured

حنين إلى الماضي من اجل المستقبل

featured

ماذا قدّمنا نحن

featured

هل الاسلام السياسي هو الحل؟ (2)

featured

"إلى حيث القت رحلها"...

featured

الشيخ والآلام..!

featured

لماذا دُمرت قرى ولم تدمرمعليا وترشيحا وحرفيش مثلا؟