هل الاسلام السياسي هو الحل؟ (2)

single

الاسلام جزء من الحضارة الانسانية، وليس مطيّة لمسيّسيه ومصالحهم.. في الصورة: رسم للعالم الكبير جابر بن حيّان، أحد الوجوه المشرقة في هذه الحضارة العريقة


 
*قراءة في كتاب الاسلام هل هو الحل ؟ لزكريا أوزون ط1/ 2007 رياض الريس للكتب و النشر *

لعلني في استعراضي لهذا الكتاب  استفيد وأفيد، وذلك السؤال- عنوان الكتاب - هو سؤال استنكاري  أي ليس الاسلام هو الحل! إنما الحل في الديمقراطية والعلمانية(بفتح وكسر العين) فلا هما كفر ولا إلحاد . وعلى الرغم من أن الاسلام في بعض آياته يكفل حرية الاعتقاد والاختيار- لكم دينكم ولي دين- و يراعي حرية التعبير و النقد لكل ما هو بشري- ما أنا إلا بشر مثلكم- و يحترم العلم و العلماء وأهل الكتاب... إلا أن هذا لا يكفي و لا يقينا من تعقيدات هذا العصر الذي نعيش فيه ...لأن عقلية ومعارف وظروف الزمان والمكان الذي نشأ فيه مختلفة. هذا عدى عن إشكالية الإسلام و القضايا السياسية وأنظمة الحكم والدولة والمواطنة ونظرته للمعارضين و ممارسات حكامه منذ الخلفاء الراشدين حتى يومنا هذا. فمن هذه الناحية على الأقل الإسلام في واد والمسلمين في واد آخر . وهذا أيضا عدى عن الأمور الاجتماعية و الاقتصادية و مسألة الإعلام ... فهو لا يجاري ولا يمكنه أن يجاري روح هذا عصر ..  لا يمكن أن يكون لكل زمان واوان إلا في جوهره وخطوطه العريضة وبالكاد . وهذا أيضا ناهيك عن مسألة العبادات التي لا تناسب إلا العاطلين عن العمل ! هذا و ناهيك  أيضا عن الخلاف بين أهل السنّه وأهل  الشيعة وعن الخلافات بين أهل السنة أنفسهم في مسائل النقل و رفض التأويل والإجتهاد و مساواة روايات الرواة بالقرآن الكريم ... من احمد بن حنبل و الأشاعرة والماتريديه ومحدثي الحنابلة الذين جددوا فكر ابن حنبل بالعنف تم ابن تيمية والوهابيين في الحجاز والجماعات الإسلامية المختلفة في العصر الحديث . فالشيعة على سبيل المثال أيضا لم تخلُ من الانقسامات من اثني عشرية إلى الدروز ثم إلى القرامطة – شيوعيي الإسلام . و أخيرا كما يقول زكريا أوزون – "فان آيات الذكر الحكيم أوحاها الله إلى رسوله الكريم في زمان ومكان محددين لإصلاح أمور الناس آنذاك ، فتفاعلت مع واقعهم ومستواهم المعرفي وفهمهم و بيئتهم و أساليب معيشتهم و قدمت لهم حلولا تنسجم مع ذلك ، و أما القول بان الذكر الحكيم كتاب صالح لكل زمان و مكان فان ذلك يمثل رأيا " إنسانيا " لا تدعمه آيات الكتاب الكريم ذاته أو حتى ما سمي الأحاديث النبوية ، بالإضافة إلى انه يتعارض مع الدعوة والإصرار على فهم الكتاب حسب فهم السلف الصالح له ، و هو أمر يسيئ إلى معطيات الكتاب ذاته و إلى مكانته و هالته المقدسة ، كما أن الذكر الحكيم ليس كتاب علوم أو قانون أو علم اجتماع حسب زعم بعضهم ، فإذا كان كذلك فأين تلك العلوم و المعارف فيه ؟ (ص 36 ) فان العرب في حينه لم يعرفوا في جزيرتهم لا علوم و لا فنون سوى فن الكلام . فتمثالا اللات و العزّى كانا مجرد حجرين أصمين، بينما جُلب تمثال هُبل من الخارج مكسور اليد (ص. 40 ) وإن التطوّر الذي حدث فيما بعد كان نتيجة الفتوحات و اختلاط العرب بالشعوب الأخرى من فرس و هنود و رومان وإغريق و غيرهم . من هنا تطور الطب والكيمياء  والفلك والجبر والهندسة وعلم المثلثات و كان معظم علماءه من المسلمين ، و أما العرب فقد بقوا على بداوتهم  وفطرتهم  وحروبهم الكلامية ... التي أدت إلى الحروب العسكرية و عدم الاستقرار السياسي ... الذي بدوره يعيق أي تطور . فالرئاسة و السلطة كانت و ما زالت موضع صراع عند العرب منذ القرون الغابرة  و حتى يومنا هذا .. منذ قحطان و عدنان و حتى فتح و حماس بقول المؤلف: إن المبشرين  بالجنة بعيد أيام الرسول مباشرة قتلوا بعضهم بعضا، وهتك العرب المسلمون أعراض بعضهم البعض  و "غلبت البداوةُ والطائفية القبلية التسامحَ  و المودة و الوئام و بُثّت الطائفية و العداء بين صفوف المسلمين باسم الله و باسم الدين" (ص 50 ). و لنتذكر كيف قُصفت الكعبة مرتين بالمنجنيق و لنذكر مرة أخرى ما حدث في المدينة المنورة بموقعة الحرة ، حيت استباح قائد جيش يزيد بن معاوية آنذاك- مسلم بن عقبة- المدينة ثلاثة أيام ، قيل انه قتل فيها أربعة آلاف و خمسمائة  و انه قد فُضّت فيها بكارة ألف بكر مسلمة . ومن لا يصدق فليرجع إلى كتب التراث (الكامل لابن الأثير- الجزء الخامس - وحديثاً إلى جناية البخاري للمؤلف أوزون (ص 99 )، هذا والقليل القليل من يرجع إلى كتب التراث بحيادية وموضوعية، خصوصا فيما يتعلق بشخصيات " مقدسة " أو "شبه مقدسة" كرواة الحديث وكالخلفاء الراشدين، الذين حكم كل واحد منهم بطريقته الخاصة . فهذا عمر بن الخطاب في وصيته الأخيرة إبان اغتياله- يدعو إليه ستة من الصحابة هم علي وعثمان وطلحة (الذي غاب) والزبير وعبد الرحمن بن عوف  وسعد بن أبي وقاص بهدف جعل الحكم بعده شورى .. كما يقول المسعودي (ص 57 من كتاب أوزون موضوع هذه المقالة) و أي نوع من الشورى ؟ يقول عمر: "إن اجتمع خمسة وخالف واحد فاقتلوه، وكذلك إذا خالف اثنان واجتمع أربعة نفر ، فان افترقوا فرقتين ، فكونوا في الفرقة التي فيها عبد الرحمن بن عوف ، وان أبت الفرقة  الأخرى الدخول فيما اجتمع عليه المسلمون فاقتلوهم ..."  أي أن للأكثرية حق تصفية المعارضة جسديا.. فأي شورى تبقى في هذا القتل للصحابة وللمبشرين بالجنة؟! و هذا القرار خاطئ في زمن عمر وهمجي في زمننا .( ص 58 المصدر السابق). وبعد فهل على  وتر مثل هذه الشورى يتغنى إسلامنا السياسي اليوم؟ اسلامانيونا اليوم ؟ أو متأسلمونا الجدد؟ تماما كما هي الشورى في مفهوم حسن البنّا المرشد الأول لحركة الإخوان المسلمين (أي شاور ما استطعت إلى ذلك سبيلا لكن القرار في النهاية هو لك وحدك...) و حسن البنا ذاته أمر بالتصفية الجسدية لمعارضيه وهو في هذه الناحية لا يختلف مع سيد قطب ، القطب الآخر في هذه الحركة التي انشق عنها! من المفيد أن نتذكر محاولة اغتيال عبد الناصر واغتيال السادات باسم الدين... هذه هي ديمقراطية الإسلام السياسي في قمع المعارضين سواء كان ذلك في  صدر الإسلام أو في هذه الأيام. هذا وناهيك عن المفهوم الأصولي المتخلف في مسألة الحجاب و التعامل مع المرأة... وهي ما دامت على النصف من الرجل في الإرث و الشهادة و الديّة نفساً وبعضاً... أقتل امرأة و الثانية مجانا! كما يقول أوزون( ص 74 ) نقلاً عن خالد سيد علي في كتابه  "المحرمات على النساء " .


اعتقد أن علّتنا الكبرى في إسلامنا السياسي اليوم هي السلفية و تقديس الماضي بشكل انتقائي أي فيما هو على مقاسهم . كما وينير أوزون- وهو ليس الوحيد في تلك الإنارة – بان تداخل مفهوم النبوة والرسالة مع مفهوم الحكم و السيادة و الملك حتى يومنا هذا هو علّه أخرى (ص 78)علينا التخلص منها .. علينا الفصل بين الدين والدولة، كما و علينا فهم الدين بما يناسب ظروف العصر وروح العصر. فعصر محاكم التفتيش عند مسيحيي أوروبا انتهى منذ القرون الوسطى و تم الفصل بين الدين و الدولة. ولا يمكن أن يعيدنا إسلامنا السياسي إلى الوراء ولا يمكننا نحن في العالم الإسلامي والعربي أن نبقى نعيش على أمجاد الماضي التي بلغت حد الأسطورة..وعلى البطولات التي نافست الخرافة أو أن   نقتفي اثر الرسول شبرا بشبر  وذراعا بذراع  رغم تغير العصور ... فالنبي في حينه لجأ إلى التصفية الجسدية لكل معارضيه خصوصا اليهو(ص 79 ) فهل نحن نستطيع ذلك اليوم  أو مجرد التفكير في تصفية اليهودي لمجرد انه يهودي؟ و لا نأخذ بالحسبان موقفه و موقعه السياسي من الحركة الصهيونية أو من حركة التحرر في العالم العربي ! وهل نستطيع أن نقتني اثر عثمان الذي أمر بنفي أبي ذر الغفاري إلى الرّبذة، فلم يزل فيها حتى مات . وكان أول معتقل إداري في الإسلام ؟ و هل نستطيع اقتفاء اثر عائشة عندما حرضت على عثمان قائلة :" أقتلوا نعثلاً فقد كفر"!  و كانت أول من شبهه بنعثل- احد يهود ذلك العصر ؟ و هل نستطيع اقتفاء اثر معركة صفين التي تمت تصفية سبعين ألف مسلم ، منهم خمسة وعشرين ألف من أصحاب علي (منهم 25 صحابيا) وخمسة وأربعين ألف من أصحاب معاوية؟  و هل اليوم أيضا لا نستطيع حوارا إلا بالسيوف ؟ وهل نقتفي اثر معاوية في تصفية أبناء علي أو أن ننبش قبور بني أميّة كما فعل أبو العباس الخليفة العباسي الأول؟ (ص 89). لا شك أن مثل هذه الأعمال تعد اليوم جرائم حرب و لا شك أيضا أن مثل تلك الجرائم ليست قدوة حسنة مهما كانت المبررات.


كذلك الأمر بالنسبة للتعددية الزوجية وملك اليمين.. فان ما انطبق على مجتمعهم لا ينطبق على مجتمعنا اليوم... ولو كان السابقون هم الصحابة و الرسول الكريم نفسه (ص 102) فالصحابة بشر والرسول إنسان و نساؤه بشريات ... فالدين شيء و السلفية شيء  آخر ، والسلف شيء و تقديس الماضي شيء آخر وعلى الإسلام أن يتجدد. والدين والتدين و الصلاة والصوم هي علاقة خاصة بين الخالق والمخلوق لا تأتي بالقسر أو بالتركيز على الشكل لا المضمون (ص 113) .                                      
حتى الأذان خرج عن مضمونه ودوره  وأصبح في خانة الإزعاج والهلع  والاضطراب ، خاصة في المدن المختلطة والأجنبية. فما حال المريض أو المسن أو المرأة الحائض أو الطفل أو الرضيع ؟ (ص 114) اين هو النص أو حتى السنة التي تأمر بمكبرات الصوت ؟ وهل كانت أصلاً موجودة بذلك الزمن؟
وبعد فلماذا يخاف المثقفون المسلمون؟ أليس المسلم من سلم الناس من يده ولسانه؟ لماذا يتفادون الخوض في كل هذا؟ لماذا يقفون عاجزين أمام عنف اللّحى السوداء المتعصبة؟ لماذا نبقى حائرين أمام  العمائم من كل الألوان؟ خاصة تلك العمامة التي تقول لصاحبها: دعني بالله عليك ! فأنت جاهل جاهل جاهل! لماذا لا نريد إسلاما قويا راسخا مؤثرا يحاور المعرضين عنه ؟ لماذا نرسم للرسول الكريم في ذهنينا صورة تعارضها معطيات تراثنا المعتمد و تصرفات مسلمي واقعنا الأليم ؟( ص 133).


 أخيرا يخلص المؤلف إلى أن الحل ليس بالإسلام السياسي وإنما في العلمانية و فصل الدين عن الدولة وعدم الحكم باسم الدين والقتل باسم الله... و العلمانية تقودنا للديمقراطية و تداول السلطة و حرية الرأي و التعيير ...

 

ملاحظة: أقدم شكري للطبيب أنور جمّال الذي أعارني هذين الكتابين "جناية البخاري" و"الإسلام هل هو الحل؟" .

قد يهمّكم أيضا..
featured

اتفاق المصالح والتآمر

featured

"العمل".. تاريخ من الحماقات!

featured

موقف صادق مشحون بالمبدئية والوعي التقدمي

featured

في الثالثة صباحا، فجّر الجنود الباب وافرغوا البيت

featured

أزمات زعيم فصائل اليمين المتطرف..

featured

استعد للسياقة في فصل الشتاء

featured

زمـن الـعـار؛ زمـن الـطـائـفـيّـة

featured

مَزامير "شَيْطانيّة" في رِحاب الحياة