لم يتعلم زعماء حزب "العمل"، و"المعسكر الصهيوني" بصيغته الحالية، أية عبرة من حماقات سابقيهم بتقليد اليمين المسمى "قوميًا" لأغراض انتخابية. طبعا لا يعني هذا بالمرة أن "العمل" يعيش ويتنفس في اليسار، فالطيف السياسي واسع بين الاثنين. لكنه، ولو من وجهة نظر مصلحيّة فحسب، يفترض به أن يجد له تميّزًا ما كي ينافس على تسلّم السلطة. أما أن يقلّد السلطة الحاكمة في المواقف العنصرية والعنيفة والمتشددة، فهو ما لن يعود عليه بأية فائدة! الجمهور يفضّل الأصل دائمًا! وما لم يُقدّم بديل جريء للجمهور سيظلّ على ما لديه.
ينطبق هذا بدرجة كبيرة جدًا على زعيم "العمل" الحالي يتسحاك هرتسوغ، الذي ينفر من صورة "محبة العرب" التي يزعم انها التصقت بحزبه! هذا مع ان ممارسات هذا الحزب التاريخية "تعفيه تماما من هذه التهمة": من عدوان السويس 1956 حتى حرب احتلال 1967؛ من مجزرة كفر قاسم حتى قتل مواطنين عربًا بالرصاص في يوم الأرض 1976 وفي أكتوبر 2000! هذا هو جوهر محبة "العمل" للعرب.. وعلى طرفي الخط الأخضر!
بعد أن اغتال اليمين رئيس الحكومة الأسبق يتسحاك رابين، سارع "العمل" الى الوقوع في أحضان اليمين الاستيطاني القومجي، ليمسح بذلك دماء زعيمه المقتول بجزمات المستوطنين. لم يكن هذا غفرانًا بقدر ما كان تخاذلا وضيعًا وجُبنًا مقيتًا وغباء سياسيًا. وحين اقتربت ساعة الحسم البرلماني بعد الاغتيال سارع شمعون بيرس عام 1996 الى شن عدوان على لبنان واقتراف مجزرة قانا الأولى. وهكذا خرج من الانتخابات برتبتين جديدتين/قديمتين: جزّار ومهزوم! مَن انتصر عليه يومها لم يكن سوى بنيامين نتنياهو..
بدلا من أن يحاول هرتسوغ بكل الوسائل السخيفة الظهور بمظهر الرجل القويّ العنيف، فليدرس قليلا من تاريخ الفشل في حزبه، وليراجع العبرة الأساس: الاحتلال ثم الاستيطان الذي جلبه حزبه، هو ما قوّضه، لأن المسخ الاحتلالي والاستيطاني قام على خالقه! ومعانقة المسخ اليوم لن تزيله، بل ستغذيه. بمعنى ما، هذا انتحار سياسي!
