*اقامة المستوطنات لا تتطلب استفتاء شعبيا، وكذا ولكن القرارات المعاكسة تحتاج الى مثل هذا الاستفتاء. من هذه الناحية قانون الاستفتاء متحيز لموقف سياسي معين ويمس بالمبادىء الاساس للديمقراطية... وحتى لو أراد معظم مواطني اسرائيل مواصلة السيطرة على الارض، فلن يكون هذا قرارا ديمقراطيا لأن السكان المحتلين هم الذين ينبغي أن يقرروا مصيرهم*
ينضم "قانون اساس: الاستفتاء الشعبي" الى المحصول الهزيل الذي يصل الى نحو دزينة من قوانين الاساس التي سنت منذ تقرر في 1950 تقسيم الدستور الاسرائيلي الى فصول.
والدستور لم يستكمل أبدا، ونحن لا نزال ننتظر قانونا أساس لحقوق الانسان يكون شاملا ليكمل ما ينقص في القانون الاساس: كرامة الانسان وحريته. ولكن بدلا من ذلك، قدمت لنا الكنيست قانونا اساس يطلب استفتاء شعبيا لاقرار اتفاق او قرار حكومي لا يعود بموجبه القانون، القضاء والادارة تنطبق على أرض تنطبق فيها الان، الا اذا أقرت ذلك الكنيست باغلبية 80 نائبا.
ويتعلق القانون باراض في شرقي القدس وهضبة الجولان، والتي يطبّق عليها القانون الاسرائيلي او على التبادلات التي ستتضمن تسليم أراض توجد اليوم داخل الخط الاخضر. ولا ينطبق طلب الاستفتاء الشعبي في هذه الصيغة على اراضي الضفة الغربية، التي لا يطبق فيها القانون الاسرائيلي.
سبق أن أدرج طلب مشابه في قانون عادي سنته الكنيست في 2010، ويبدو أن الدافع لتحصينه في قانون اساس ينبع من التماس لا يزال معلقا امام المحكمة العليا ضد دستورية هذا القانون. وادراج الاستفتاء الشعبي في قانون اساس يجعل من الصعب على معارضيه الادعاء بان الحديث يدور عن نظام يقتطع من صلاحيات الكنيست والحكومة وبالتالي يعد غير دستوري.
في مأسسة الاستفتاء الشعبي ثمة نوع من الانحراف عن نظام الحكم في اسرائيل الذي يقوم على اساس مبنى الديمقراطية التمثيلية الذي يأخذ فيها المنتخبون ممثلو الشعب القرارات باسمه.
يمكن الادعاء بان الاستفتاء الشعبي في مسائل جوهرية كفيل بان يعزز الديمقراطية، ولكن عندها يطرح السؤال لماذا يجرى بالذات حول اعادة اراض؟! يمكن احلال القانون الاسرائيلي على اراض معينة بأمر من الحكومة (مثلما جرى في شرقي القدس) أو بتشريع من الكنيست (مثلما جرى في هضبة الجولان)؛ فاقامة المستوطنات لا تتطلب استفتاء شعبيا، وكذا ايضا القرار بعدم الوصول الى اتفاق سلام ولكن القرارات المعاكسة تحتاج الى مثل هذا الاستفتاء.
من هذه الناحية فان القانون الاساس: الاستفتاء الشعبي متحيز ويمس بالمبادىء الاساس للديمقراطية في أنه يعزز موقفا سياسيا معينا، من أجل تغييره يتطلب استفتاء شعبي دون أن يكون الموقف المعاكس يحظى بمكانة كهذه. والدافع خلف القانون هو "تكبيل" المفاوضات السياسية في المستقبل وفرض المصاعب عليها. يحتمل أن عمليا كفيل الاستفتاء الشعبي بالذات أن يمنح الاتفاق الشرعية ويسمح للزعماء بتنازلات بعيدة الاثر تخوفوا من تقديمها بدونه؛ غير أن في اساسه، يضع القانون عائقا آخر في الطريق الى السلام.
ولكن العلة الاساس في مشروع القانون هي تجاهل مسألة أن من يجب سؤالهم عن مستقبل الارض هم أولا وأخيرا سكانها، ولا سيما اولئك الذين عاشوا فيها قبل أن يتم احتلالهم..
الاستفتاء الشعبي هو أداة مقبولة لاستيضاح مسائل تقرير المصير، وقد استخدم بالنسبة لاراض ليست بسيطرة ذاتية وسكانها يقررون مصيرهم. هكذا جرى في شرق تيمور، التي كانت توجد تحت الاحتلال الاندونيسي وتحولت الى دولة مستقلة. هكذا ايضا في الاراضي التي هي جزء من دول ديمقراطية وتوجد فيها عناصر معنية بتقرير المصير: سكان كويباك (وليس عموم سكان كندا) هم الذين قرروا بان يبقوا جزء من الدولة؛ في اسكتلندا سيجرى هذه السنة استفتاء شعبي يقرر اذا كانت ستبقى جزءا من المملكة الموحدة؛ وفي شمال ايرلندا اجري استفتاء شعبي على الاتفاق الذي ابقى الارض كجزء من المملكة (في هذه الحالة اجري استفتاء آخر في ايرلندا، التي الزم الاتفاق تغييرا في دستورها).
الاستفتاء الشعبي، بالتالي، هو لسكان الارض كي يعبر عن تقريرهم لمصيرهم؛ ولكن القانون الاساس الذي سن الان في اسرائيل يقضي بان ليس سكان الارض المعنيون هم الذين سيقررون مستقبلها ومستقبلهم بل مواطنو الدولة المحتلة. الوضع سيتفاقم اكثر اذا كان سينطبق في المستقبل واجب الاستفتاء الشعبي ايضا على اراضٍ في الضفة الغربية مثلما سبق أن اقترح.
وعليه فان ما يعرض كاجراء ديمقراطي من شأنه أن يكون معْلمًا اخر في سحق الديمقراطية: حتى لو أراد معظم مواطني اسرائيل مواصلة السيطرة على الارض، فلن يكون هذا قرارا ديمقراطيا حقا، وذلك لان سكان الارض السكان المحتلين هم الذين ينبغي أن يقرروا مصيرهم.
(أستاذ الحقوق في جامعة تل أبيب – عن "هآرتس")
