مسيرة يوم الارض الخالد في سخنين. "كنت أحدَ رموزِه، الذين صمدوا امامَ كل الضغوطِ"
وقفنا قبلَ حوالي الشهرين أمام نعشكَ خاشعينَ، غير مصدقينَ أن يمكن لشحوبِ الموت ان يستبدلَ ابتسامتكَ الدائمةَ التي خِلناها أبديّة.
روحُك الطيبةُ المرحة، المشعةُ ثقة وصداقة ومصداقية خيّمت على أجواءِ محضرِك في كل مناسبة شاركتَ فيها.
في مقدمة تداعيات الذكريات معك تشرقُ صورةُ ابي الأدهم الانسان الانسان، الطيبِ دون تكلف، الدمثِ حلو المعشر، الحكيم المثقفِ صاحب الفكر الاجتماعي المتنور، المتواضع الهادئ، المتحدث اللبق عاشق اللغة العربية حضارة وهوية، يلجأ الى كنوزِ تراثها دوما ليزيدَ حديثَهُ العذبَ عذوبة.
الصديق الصدوق، المجيبُ لكل نداء للاصلاح ووأدِ الفتن، أيا كانت خلفياتها. وقد كانت لنا تجربةٌ معك حين ابتلينا في الناصرة بمحنة، كأداء، تجاوزناها بفضل الوعي وجهود الناس الطيبين أمثالك.
حالفني الحظُ بان اكونَ واحدا ممن واكبوا مرحلة هامة من مسيرتك الجماهيرية الشعبية والسياسية، مرحلة تنامت أحداثها وشمخت، على جذورِ تجربةِ البقاء والتحدي منذ النكبة، مرحلة كنتَ واحدا من رجالاتها الذين سجلوا أسطرَ خالدة في كتاب تاريخ هذا الجزء الحي الباقي في وطنه، من شعبنا العربي الفلسطيني.
واكبتُكَ ضمن أُطرِ العمل البلدي والوحدوي: اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية ولجنة المتابعة العليا، قد كنت من أركانهما.الى جانب زملائك من المؤسسين، وأولهم رفيقِك طيب الذكر، توفيق زياد، الذي اخترت تاريخَ وفاتِه لموافاتِه في دار الخلود.
اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية، التي حَمَلَتْ أول ما حَمَلتْ الى رئيس الوزراء رابين في حينه رسالة تقول: نحن طلاب مساواةٍ قومية ومدنية، ولن نرضى باقلَّ من ذلك. وقد رد في حينه بتأكيد سياسة حكومات اسرائيل التي ما زالت تمارسُ حتى اليوم، والتي تعتبرُنا "أقليات" وتقسّمُنا طوائفَ ومجموعاتٍ، وتسعى لتطوير العصبيات الهدامة لتشرذِمَنا، وتحدّ من قدراتنا الكفاحية. وانت يا ابا الأدهم، كنت ممن واجهوا هذه السياسة قولا وفعلا، وكنت، لنا في ذلك مثلا ونموذجا.
لم تنقطعْ عن مجالِ العمل البلدي بعد ان اعتزلتَ رئاسة البلدية، بل أصبحت مرشدا للعديد من الرؤساء الجدد الذين استأنسوا بتجربتك وخبرتك.
ونحن في اللجنة القطرية للرؤساء العرب، ما زلنا نسير على هدي الطريقِ الذي عبّدتموه انت ورفاقُك المؤسسين.
واكبتك ضمن الاطار السياسي الذي جمعنا، الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، وقد كنت من مؤسسيها سنة 1977، بعد تجربة جبهة الناصرة الديمقراطية بقيادة طيب الذكر توفيق زياد سنة 75 وتجربة يوم الأرض الخالد بعد ذلك ببضعة اشهر، يوم الأرض الذي كنت أحدَ رموزِه، الذين صمدوا امامَ كل الضغوطِ، وواجهوا التحدياتِ بشجاعةٍ ومسؤوليةٍ، بكبرياء ومبدئية. الذين آمنوا بقدرة الناسِ، ان اتحدوا، على ليّ المخرز، وتحقيق مكاسبَ وانجازاتٍ تراكمية. وهذا ما تحقق بفضل يوم الأرض، يوم الأرض الذي خرج ابطاله من اجتماع شفاعمرو محمولين على أكتاف الناس، وانت منهم، وخرج معارضوه بمصفحات الجيش لحمايتهم من غضب الناس.
أخي أبا الأدهم،
أصارحُك القولَ اننا نتوق اليوم الى تلك القيم التي ميزت شخصيات تلك الحقبةِ بالغةِ الأثرِ على مجتمعنا عموما، خاصة ونحن نشهد واقعا يرتفع فيه منسوب الذاتية وعناصر التسويق، والمصلحة الفردية على حساب المبدئية والمصلحة العامة.
لذا فاننا نعتبرُ تكريمَ ذكراك أيضا، تعبيرا عن رغبتنا اعتمادَ النموذج الذي كنتَهُ، في حياتك الشخصية، ومسيرتك الجماهيرية العامة.
نكرمك لما كنت، ولما نريدُ لمجتمعنا أن يكون.
ليتني استطيع ان اقولَ لك نم قرير العين فان ما سعيتَ اليه والى تحقيقهِ قد تحقق، لأن القلقَ يغمرُني ازاءَ المشهد المحبط، محليا واقليميا وعالميا.
والخريف يغتصب الطبيعة بقدومه بعد الربيع.
غير ان ذلك لن يحبط عزائمَنا، كما لم تحبطْ عزيمتك النكساتُ.
سنستمدُّ من سيرتك طاقة لنواصل مسيرتك واثقين ان سيأتي اليومُ الذي نستذكرُك فيه مبشرين بتحقيقِ احلامٍ تقاسمناها.
ومهما كان، ومهما سيكون، ذكراكَ ستبقى معنا خالدة يا ابا الادهم، ولنا فيها خيرُ عزاء.
(كلمة رئيس بلدية الناصرة ورئيس اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية في حفل تأبين الراحل الكريم في المركز الثقافي البلدي بسخنين تحت رعاية بلدية سخنين والجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة وآل الفقيد في 1/9/2012)
