طلعت أدهى مني وأقوى

single


بلغت "لبيبة" سن السابعة عشرة من عمرها، قضتها تحت كنف والدتها التي غمرتها بحنانها الفياض – ولفّتها بعطفها وحبها الجارفين، ورأت فيها الإرث الثمين، والذُّخر النفيس من زوجها، الذي فقدته في السنّة الخامسة من زواجها، أثر شجار بين طرفين من العائلة، قاده اليه اخوه الأكبر وزجّه فيه وعندما حمي وطيس الشجار، واستعرت نار الطوشة وهوت العصي على الأجساد، وشجت الحجارة الرؤوس، وأستُلّت السيوف وتعالت الشتائم، والصيحات من الجانبين، أصيب "عبد الهادي" وقد أثخنته الجراح، ما لبث ان جاءوا به مخضّبًا بدمائه، جثة هامدة. زعقت زوجته "خشفة" في وجه أخيه وهي تندب وتلطم، متسائلة "ليش تركته وانسليت؟ ليش ما ظليت وحميتو؟ وين شجاعتك ورجولتك؟ يا عيب الشوم عليك يا عبد الرحمن يا أبو الأسد".
انطلق صوته متباكيًا "ما تخفيش والله لاستد واثأر له بعشرة منهم". وبصوت متهدّج والغصة في حلقها قالت "وشو بنفعني وبفيدني لو قتلت عشرين أنا فقدت احسن الرجال وأغلى ما املك في الدنيا. والقتل بجيب قتل والثار بجيب الثار كف عن عمايلك الوسخة يا أبو الأسد بكفيك عاد مشاكل”. والدموع تنهمر ساخنة من مقلتيها، وراحت تنوح، وتقعد،مع النائحات حتى حملوه وواروا جثمانه الثرى.
انقضت أيام العدة، أربعة اشهر وعشرة أيام. وبعد فترة وجيزة من انقضائها، سارع "أبو الأسد" وكان في عجلة من امره يقنع أهلها، وعائلتها بذرائع واهية، يحثهم على تزوجها فقد باتت "خشفة" ارملة فهذا نصيبها، وقدر الله فلسلامة سمعتها، والمحافظة على شرفها وشرف العائلة وتحاشيًا للاقاويل والوشوشات والغمز واللمز وهي  لا زالت في اوج صباها وأمرأة جميلة فالعادات والتقاليد لا تجيز ولا تسمح أن تظل المرأة ارملة.
وعندما تقدموا وكاشفوها بالأمر، وعرضوا عليها فكرة الزواج وقع عليها قولهم وقوع الصاعقة، هاجت وماجت وثارت وقالت "يا ويلكو من الله شو كايني احلم وينتا يموت حتى اتزوج استحوا" وصرخت وقالت "سأظل أرملة ولن اسمح لاحد أن يمس شرفي بدّي احتضن بنتي الوحيدة واعيش انا وياها فهي الإرث الثمين، والذُخر النفيس من زوجي ستكبر وتعيش في حضني وتحت رعايتي ولن اسمح بمن يتحكم بمصيرها حتى تتزوج وتخلّف لتحافظ وتخلّد ذكر والدها". لم يأل جهدًا "أبو الأسد" ولم يقنعه ما نقلوه له أهلها عن رفضها القاطع للزواج، تقدم بنفسه وعرض عليها الفكرة ثانية وقال لها ان العديد من الرجال سألوا ويرغبون الزواج منها، وبعضهم من ميسوري الحال الأثرياء فقالت له قيم هلفكرة من راسك عارفه احابيلك.
تعايشت "خشفة" مع واقعها المر وحظها العاثر واعتمدت على نفسها "بعصمة" واباء تدير شؤونها وحدها تزاول فلاحة الأرض، والعمل في كروم الزيتون والعنب، حصة زوجها من الإرث مناصفة مع أخيه "أبو الأسد" مرّت الأيام فاندلق جشعه، وتفجرت اطماعه وفاضت لتطول الاستيلاء على الأرض بالتدريج وراح يستولي قطعة بعد قطعة ولا من مناصر لها – فهو رجل ذو بأس وسطوة وسلطة، دافعت عن حقها وقاومت استبداده، وتصدت له فأطلقوا عليها الاسم المرأه الحديدية، استمر السجال والنزاع سنوات طويلة في مراكز القضاء.لم تخنع ولم تخضع. عجم عودها فوجده عصّيًّا، فلم يكسرها كل غوائله وجبروته وغلظته في حين لم تردعه قرارات المحاكم التي كانت تقضي لصالحها باخلاء الأرض ورفْع يده عنها.
اخذ الشباب يتقدمون لطلب يد كريمتها "لبيبة" التي عايشت مراحل مأساة والدتها والمشاهد المؤلمة التي تمر بها وفكرت الاستجابة لطلب فتى أحلام ابنتها،لتنتشلها من مستنقع جحيم عمّها. لتنعم بحياة هنيئة. تسعد بها تعويضًا لها عن البؤس الذي لحق بها وراحت لبيبة رغم الغمامات السوداء. التي كانت تلوح في سماء تفكيرها، تحلم بالزواج وبناء عائلة وانجاب الأولاد، ففي خضم احلامها. وغمرة طموحها ورغبتها الجامحة في الزواج من فتى احلامها.
واجهتها العقبة الكأداء، تصدى لها ابن عمّها "أسد" بمساندة والده، عملًا بمقولة "ابن العم بنزّل عن ظهر الفرس" فهدد، وتوعد بالويل الثبور لمن يجرؤ ويتقدم لخطوبتها. وهدد بغلظة شائنة اذا ما تمت خطوبتها فيدخل عليها عنوة في عقر دارها فظلت تعاني من ذلك التهديد والتصدي حتى بلغت سن السابعة والعشرين من عمرها عانسًا قابعة في البيت. في همّ وغمّ.آثرت البقاء عزباء والعيش مع والدتها على الزواج من ابن عمها.
شعرت والدتها، أن الضوء الأحمر أخذ يبرق أمام "لبيبة" وان القطار قد يمر ويتجاوزها وأن عمرها أخذ يتجاوز الحدود، فلمعت في ذهنها فكرة للخروج من هذا المأزق وتلك المحنة، ورأتها الأفضل والوسيلة الوحيدة لخلاص ابنتها من براثن ابن عمها، ووضع حد لمأساة و استيلاء "أبو الأسد" على الأرض، والارث، استذكرت ان لها أقارب وصلة قرابة لاهلها مع احدى العائلات في بلد عربي مجاور، فعرضت عليها الفكرة وبعد تردد ورفض واخذ وعطاء، وعندما كاشفتها برغبتها الجامحة بزواجها لانجاب الأولاد يحملون ذكرى والدها، وانها الوسيلة الوحيدة للتخلص من غلطة عمّها وجبروته ابدت موافقتها. وقد سعت الام لتنفيذ فكرتها. التي ابقتها في الكتمان عقدت الام صفقة بيع كل العقارات، وحصلت على موافقة من دائرة الهجرة بتصريح يمنح ابنتها مغادرة البلاد الى قطر عربي. استفاق "أبو الأسد" وابنه ليجدا "لبيبة" قد غادرت البلاد. والأرض قد بيعت وخاب جشعه وتبخرت اطماعه. عندها قال حقًّا انها امرأة حديدية  عملتها خشفة وطلعت ادهى مني واقوى. وظلت تناهضه في القرية شامخة راسخة كالطود تزيده انفعالًا وحسرة.
(عرابة)
قد يهمّكم أيضا..
featured

لـم يـنـقـطـع الـبـذل والـعـطـاء

featured

نعيق غراب البين!

featured

بثباتنا في أرضنا، نحن من سيفرض الحل للقضية الفلسطينية

featured

أمريكا راعية الاحتلال الكبرى

featured

في ذكرى النكبة "ثورة حتى العصر"..!

featured

الخطر الأكبر على إسرائيل نتنياهو ونهجه

featured

لتحرير اليمن من العدوان والعنجهية