ما يجري اليوم في سوريا برأيي، هو تكرار لسيناريو الاستعمار البريطاني التاريخي، ابتداء من قرار تقسيم فلسطين العام 1947، ومرورا بالنكبة وتآمر سبعة زعماء لأنظمة عربية خائنة باعت فلسطين وشرّدت أهلها.
إن جريمة تفجير جامعة حلب واستشهاد العشرات من الطلاب الجامعيين الأبرياء بالإضافة إلى الجرحى، الذين كان ذنبهم الوحيد هو طلب العلم والحصول على الألقاب العلمية لتطوير وازدهار البلد، هذه الجريمة النكراء تذكّرني بجريمة مماثلة، عندما قام الاستعمار بأيدي أذنابه العرب بتفجير السرايا في مدينة يافا العام 1947 واستهداف شريحة واسعة من المثقّفين والأكاديميين حاملي الألقاب العليا العرب من خيرة أبناء الوطن، كانوا قد اجتمعوا بدافع وطنيتهم بهدف إيجاد السبل لمقاومة قرار التقسيم، حين كان ثلثا سكان فلسطين من الفلسطينيين العرب، وكان الاستعمار يعمل على صياغة مؤامرة ترحيل الشعب الفلسطيني مع عملائه من الزعماء العرب. واستشهد في جريمة السرايا هذه 49 مناضلا. جريمة جامعة حلب والجرائم الأخرى التي ترتكب بأيد عربية، تقتل الشرائح الطلائعية في سوريا، من خلال ما يسمّى بالجيش الحر وهو الجيش الدنس المركّب من عصابات متعدّدة، تارة باسم الدين والدين منها براء لأن الدين الاسلامي يحرّم دم المسلم على المسلم، وتارة من العصابات المرتزِقة المموَّلة من الأنظمة العربية الخنوعة العميلة للاستعمار لضرب سوريا البطلة، تصرف عليه أنظمة الذل 52 مليار دولار لخدمة مصالح أمريكا والناتو والاستعمار الامبريالي. أين كانت هذه الأنظمة من العدوان الإجرامي الاسرائيلي الأخير وقبله على غزّة؟! لم نرَ الدعم المالي والعتاد ضد الاحتلال ولم نلمس المساندة للفلسطينيين المحاصرين في القطاع.
ما يسمّى اليوم بالربيع العربي وهو الخريف بعينه برأيي، وفي سوريا تحديدًا، يواصل الاستعمار الذي يظهر بمئة لبوس ولبوس، نفس السياسة الهمجية القذرة، والاختلاف الوحيد أن المؤامرة على الشعب السوري تنفّذ بـ"أيد عربية وإسلامية"، بدعم بترولي ملوّث، من موارد وخيرات الشعوب العربية المكدّسة في البنوك الأمريكية، ليصبح هؤلاء الملوك والأمراء العرب أدوات طيِّعة لمخطط أمريكي إمبريالي صهيوني يقصد تقسيم المنطقة من جديد على نمط سايكس بيكو وأكثر، فتغدو كل دولة عربية ممزّقة إلى دويلات.
ثقتي بشعبنا الفلسطيني وبالشعوب العربية أنها ستكشف مؤامرات ومخططات الاستعمار والرجعية العربية، أن الصحوة الوطنية آتية لا محالة، ثقتي بالشعب السوري أن ينتصر على المؤامرة ومخطط تقسيم سوريا، ومنع زرع بذور الفتنة الطائفية وإدخال سوريا إلى حرب أهلية طائفية لن يعرف أحد نهايتها. أملي أن تمتشق يافا عروس البحر قامتها بفستانها الأبيض، وأن تنتصر هامة الشعب السوري على المؤامرة.
(الكاتب من مواليد منشية يافا عام 1926)
