حين نلتفتُ حولنا، لن نجده بعد الآن بيننا، لن نسمع صوته الذي كان يأتي قويًا وصاخبًا، مشحونا بمرح طفولي لا يقدر احد على نسيانه، ولن يدهم بعد الآن وقتنا بملابسه البسيطة، تعبه وابتسامته الشاحبة ودخان سجائره، لكننا سنحدق طويلا في فسحة الغياب التي خلفها وراءه، بكل الأسى الذي يثيره فينا رحيله، وبكل المرارة التي يولدها الشعور العميق بالخسارة.
نعم لقد رحل ذلك الرجل عنا وعن ايامنا التي ستخلو منه.
غافلنا وغافل الوقت ومضى إلى موته بصمت، وإذ نستعيد الآن ذكراه، نشعر كم عميق هو الألم، وكم كبير هو الفقدان الذي يذيعه فينا غيابه.
بالأمس كان معنا، ونحن الذين اعتدنا وجوده اليومي بيننا، نجد الآن صعوبة في استيعاب الفراغ الذي تركه برحيله المفاجئ، ونجد صعوبة في الحديث عنه بلغة الغائب.
نحن الذين عرفناه عن قرب، عرفنا فيه تلك البساطة الإنسانية في السلوك وفي الحياة، ذلك الحس الوطني الصادق الذي كان يجري كدمه في عروقه، ويستحيل لسنين طويلة في السجن أن تخمره... وفي عتمات السجن يعيش أبوعايدة تفاصيل المعاناة والعراك اليومي مع الألم والجوع والظمأ، ويثبت قدرته اللامحدوده على الصمود وعلى مواجهة الجلاد بإرادة لا تعرف التحدي حدودًا.
من زنزانة لأخرى يمضي وقد أكلت رطوبة الجدران من جسمه دون أن تمس روحه التي ظلت تلتهب في خلاياها نار هادئة، يمضي في السراديب الضيقة مقيدا بالسلاسل التي حفرت في جلده اسم الوطن الذي حمله في جبينه كالطلقة، وفي حنجرته كالصرخة، حمله كالنزيف في العذابات الدامية التي تزدحم بها حياة السجن، وفي تلك العلب الحجرية، يعرفه الجميع، أخا للجميع، وصديقا للجميع، يعطي بسخاء كل ما يمكنه أن يعطيه، ويشيع بين رفاقه جوا من المرح الذي كان ينساب دافئا حينا، وحينا لاذعا من نكاته الساخرة...
هذا هو أبو عايدة الذي عرفناه، إنسانا كبيرا بإنسانيته ومناضلا حقيقيا ظلت صلابته الداخلية تلمع ببريق نادر حتى آخر لحظه، والآن وقد شهدنا منذ هنيهة رحيله، لا زلنا مسكونين به، بتفاصيله الصغيرة، ملامح تعبه الذي كان يحاول أن يخفيه عنا وضحكته التي ترن فجأة.
لا زلنا نسرد على الصمت سيرته.
ولا زلنا مشغولين بتهيئة الفضاء حولنا، لطقس آخر من الوداع الذي يسكنه شجن عميق لا يمكن كتمانه
أبا عايدة...
ايهذا الذي لا نملك صوتا لمديحه.
ولا حنجرة عالية للهتاف باسمه.
لكننا نملك قلبا كبيرا نودع فيه أولئك الذين يذهبون ولا يذهبون، نملك ذاكرة نعلق على جدرانها صور الذين يغادرون أيامنا ولا يفارقون مرآتها.
وأنت...
أيها المسجى على التراب الذي أحببت.
أيها المغطى حتى رأسه بالصمت... لك أن تنام الآن هادئا مستريحا، فقد تعبت ولنا أن نحرس نومك، وان نحملك في قلوبنا، وفي نشيدنا الطويل مقطعا يردد المدى صداه...
لنا أن نبني لك في الذاكرة، حجرة تليق بحضورك فينا..
(أسير محرر)
(أُلقيت قبل أن يُوارى جسد الفقيد المناضل ثرى حيفا في 10.3.2009 )
