(خـواطـر انـتـخـابـيّـة)
نـيـران ونـيـران
الأخبار تتتابع حول ألْسِنة النيران التي تلتهم أحراج الكرمل وغيرها في هذه البلاد الغريقة، فتحرق وتحرق، مستعينة برياح الشرق غير المبارَكة. كلّ هذا ونحن هنا نأمل ونأمل... نأمل ألاّ تؤدّي ألْسنة الطائفيّين المُحرِقة إلى الْتهام بلدٍ نحبّه. نحبّه لأنّه يستحقّ أن يُحَبّ، ولأنّه يحتاج أن يُحَبّ. نأمل ألاّ تصبح عـبـلّـيـن طعمة لنيران الطائفيّة. نأمل ألاّ تتحوّل فعلاً إلى وكر للطائفيّة والطائفيّين. نأمل أن تكون عـبـلّـيـن بلدَ الكِرام الطيّبين -تمامًا كما يريدها كلُّ الكِرام الطيّبين.
ليت ذوي الإيمان العميق الصادق في هذا البلد يصلّون من أجل حماية وصيانة هذا البلد! ذاك أضعف الإيمان.
بـعـض صـراحـة
ليعذرنا الإخوة الأعزّاء الناشطون الآن في "معركة الرئاسة"، إن كانت ثرثرتنا هذه المحدودة الصراحة ستزعجهم...
لقد أفقدتمونا ما أحسسنا به من اطمئنان وتفاؤل حذرَيْن نسبيَّيْن تجاه البلد، حين وجدنا أنّ معظم القوائم التي خاضت الانتخابات هي قوام مختلطة طائفيًّا.
لقد أفقدتمونا ما أحسسنا به من غبطة وسَكينة عندما ظهرت نتائج الانتخابات في الجولة الأولى، إذ توجّهنا ليلتذاك إلى فِراش الرقاد ونحن مطمئنّون إلى أنّ كلّ القوائم المرشَّحة قد فازت، وبعض ناشطيها كانوا بعد منتصف الليل بساعة ونصف الساعة يحتفلون بعدم الخسارة، معبِّرين عن سرورهم من خلال إطلاق المفرقعات.
تلك كانت حقًّا المرّة الوحيدة التي لم أنزعج فيها من إطلاق المفرقَعات؛ فأنا أُقِرُّ باعتزاز أنّي من أنصار التحريم وَ "التجريم": تحريم المفرقَعات وَ "تجريم" المفرقِعين.
مـؤسـف ومـحـزن
حين يكون المرء سخيًّا في قـرارة ذاته، وبخيلاً في الممارسة، من حقّنا القول إنّ ذاك مؤسِف ومستغرَب.
كذلك هو الأمر في حالتنا الانتخابيّة؛ فمن المؤسف والمحزن أن يكون المرء في حياته العاديّة وفي تعاملاته الاجتماعيّة غير طائفيّ ولا عائليّ لكنّه لا يتورّع عن استخدام النبرة العائليّة والطائفيّة همسًا وتلميحًا حين يصبح مرشَّحًا أو ناشطًا في الانتخابات المحلّـيّة، أمّا في التصريحات المباشِرة وفي المنشورات فهو مرشَّح لكلّ البلدة! أمام وسائل الإعلام، وفي المناشير، وأمام أبناء الطائفة الأخرى، هو مرشَّح البلدة كافّةً! أمام أبناء طائفته، هو مرشَّح الطائفة! هكذا تقتضي اللعبة السياسيّة، على ما يرى العارفون (العارفون، لا الجَهَلَة من أمثالنا!). اللعبة تقتضي الرقص في عرسين اثنين! تقتضي اللعب على حبلين! تقتضي أن يكون الباطن والظاهر حالتين من التناقض! المصلحة الانتخابيّة تتطلّب أن يحشّد كلُّ مرشَّح أبناءَ طائفته معه ليحظى بمعظم أصواتهم، وأن يعمل على "اختراق" أصوات أبناء الطائفة الأخرى كي يتمكّن أن يحسم النتيجة لمصلحته!
الغاية تبرّر الوسيلة! الغاية الشخصيّة، والطموح الشخصيّ، والطمع الشخصيّ، كلّ هذه وغيرها من الحقائق والدوافع قد سمعناها وقرأنا عنها بمفردات مغايرة: التغيير؛ التطوير؛ الإعمار والتعمير؛ خدمة البلد... وغيرها وغيرها من دُرَر الكلام وتُحَفه! في سبيل تحقيق الغاية الشخصيّة، والطموح الشخصيّ، والطمع الشخصيّ، تُوضَع مصلحة البلد الحقيقيّة في مهبّ النار والكبريت! في سبيل تحقيق المصلحة الشخصيّة، يصبح من المسموح أن توضع المصلحة العامّة على كفّ عفريت!
التوتّرات والاضطرابات العائليّة لدينا يمكن تحجيمها والتخفيف منها والتخلّص منها أحيانًا أو مِن بعضها، عَبْر علاقات المصاهَرة وعَبْر إجراء صلح عائليّ /عشائريّ... أمّا التوتّرات والاضطرابات الطائفيّة، فالصلحة التقليديّة قد لا تفيد إلاّ في تأجيل موعد الانفجار. الطائفيّة نيران قد تحرّق الأخضر مع اليابس أو قبله، وقد تجد لها امتدادات وتفاقُمات في المستقبل المنظور والبعيد. وهنا لا بدّ من التساؤل: أيّ غد ينتظرنا؟
صـنـاعـة الـغـد
الغد المنشود لا يَبدأ ناشِدُهُ بصنعه غدًا، ولا بَعد غد. الغد ينبغي أن يُبدأ بصنعه الآن وقبل الآن. وأيّ غد نصنع الآن لعـبـلّـيـن؟
الاستعدادات للجولة الثانية لانتخابات الرئاسة في عـبـلّـيـن، والأجواء الطائفيّة المَـعيبة المَـقيتة غير المشرِّفة التي يخلقها معظم مَن يُفترَض أن نأمل منهم الخير، هذه الاستعدادات والأجواء تشير إلى أنّه غدٌ جاهليٌّ، قد تكشف لنا الأيّام لاحقًا أنّ الحاضر السيّئ أبهى منه وأرقى!
الغد المشرق لا يصنعه فـردٌ ولا اثـنان. بتنا نخشى أن يكون الغد المأمول آخذًا في الابتعاد عن عـبـلّـيـن، وأن يتحوّل المولود المأمول إلى مَوْءود. ما يحسبه البعض فجرًا قد يكون فجرًا معتمًا. ما يحسبونه خلاصًا قد يكون خطيئة.
لشديد الأسف، حاليًّا، ووَفقًا لِما تُنذرنا به أجواء الحاضر المُخجِل، صار من شبه الواضح ومن المُؤْسِي أنّ الغد المأمول الذي يَتوقَّع بعضنا أن يعيشوه عمّا قريبٍ ما هو بِغَـدٍ مأمونٍ ولا صالحٍ!
ربّما صار من الأجدى أن نبدأ بالتفكير في ما بعد الغد.
خـيـانـة وخـيـانـة!
حين ينحاز أحدهم في الانتخابات المحلّيّة إلى طرف من خارج طائفته، أو من خارج عائلته، يحلو لبعضهم أن يقوم بوصمه بالخيانة! خيانة الطائفة! خيانة العائلة!
وماذا عن خيانة البلد والعيش المشترَك؟! ماذا عن خيانة الفكر النيِّر الخيِّر؟! الفكر النيّر الخيّر يرفض كلَّ ما يقبّح الحياةَ ويصعّبها، ويتبنّى ما يجعل العيش هنيئًا. والطائفيّة إن تحوّلت إلى طريقة تفكير وممارسة حياتيّة أو نهج حياة وتعامُل، ستكون طريقة حياة تُـفْضي إلى الموت.
تـبـدُّلاتٌ لا تـتـبـدّلُ!
هل نتعارك ونتخاصم ونتنابذ بسبب طموحَيْن شخصيَّين؟! ألدّ خصوم الأمس أصبحوا اليوم متصالحين متحالفين متحابّين (هذا ما نراه، والله أعلم بخبايا القلوب وخفايا النفوس!). وحلفاء الأمس هم اليوم خصومٌ ليس بينهم حدّ أدنى من العلاقات البشريّة: إلقاء التحيّة. فهل من المستبعد أن نرى خصوم اليوم متصالحين متعانقين متحالفين في الغد (الانتخابات القادمة أو بعدها)؟! حين يتدخّل "أهل الخير" (الخير الفئويّ المصلحيّ -إذا جاز التعبير)، يغدو كلّ شيء ممكنًا. وهل من المستبعَد أن يتحوّل غدًا حلفاءُ اليوم إلى خصوم إلى حدّ قطيعة؟! لا مستبعَد لدينا. في السبيل إلى تحقيق المَصالح الخاصّة الشخصيّة، تتبدّل المواقف والاصطفافات. هل قد يتبدّل كلّ شيء إلاّ الحرص على المصلحة الشخصيّة؟! على ما يبدو...
أحـقـاد مـخـفِّـفـة
أليسَ من المَعيب ما يحدث؟! الخلافات والأحقاد الشخصيّة والعائليّة، داخل أبناء الطائفة الواحدة، هي العامل المخفِّف من الاستقطاب الطائفيّ الذي يحصل الآن في عـبـلّـيـن بتغذية من بعض ناشطي "السياسة" المحلّـيّة؟! أليس مِن مُضْحِكات المُبْكِيات أن يتّكل البعض على مثل هذه الخلافات والأحقاد أو يراهن عليها في سبيل بلوغه المنصب "السامي"؟!
أليسَ من الأشرف والأَوْلى أن تكون العلاقات الاجتماعيّة العاديّة الطيّبة السائدة بين أبناء الطائفتين هي العامل المخفِّف أو المانع لهذا الاستقطاب بين أبناء البلد الواحد؟!
كثِّفوا الزيارات المتبادلة بينكم، لا سيّما في هذه الأيّام، أيّها الأصدقاء من الطائفتين. علاقاتكم الاجتماعيّة الطيّبة يمكنها -حين تَظهر وتُبْرَز ويشار إليها بالبنان- أن تكون أحد صمّامات الأمان في هذه البلدة العزيزة المسكينة.
لا مـنـاشـدة ولا تـوجُّـه
لن أناشد أحدًا، ولن أتوجّه إلى أحد، ولن أوجّه أحدًا. لكنّي، في هذه الظروف الشديدة السوء، أتفهّم كلَّ عـبـلّـيـنيّ مستاء إن لم يتوجَّه إلى صندوق الاقتراع، أو إن فَضّلَ الورقة البيضاء موقفًا. تلك ورقة بيضاء، موقف أبيض، لا راية بيضاء (كما قد يدّعي الاتّهامُ الجاهز). أتفهّم كلَّ عـبـلّـيـنيّ لا يرضى لبلدته أن تتحوّل إلى وحْل طائفيّ، فيحتجّ ولا ينقاد إلى تيّار بغيض لن يسقي بلدتَه إلاّ نارًا. لا يلومنّه أحدٌ إن رفض أن يكون مشاركًا في ترسيخ واقع سيّئ رديء.
بـهـدوء غـيـر مـكـتـمـل
قبل أكثر من عَقد من السنوات، على مسمع منّي جاهرَ أحدُ معارفي المسيحيّين بنعرته الطائفيّة التي يعرف هو أنّي لا أقبل بها لي ولا لغيري، ولا أبرّرها ولا أتفهّمها. وطائفيّته تقوم على عدم ثقته بالمسلمين، وعلى إيمانه أنّ المسلمين طائفيّون ("عنصريّون" -على حدّ تعبيره) يكرهون المسيحيّين ولا يتمنّون لهم الخير ولا يريدونه لهم... وقال كلامًا منفعلاً ينمّ عن سخرية مِمّا أومن أنا به في هذا الشأن (ويعرف هو أنّي أومن به تمام المعرفة)، زاعمًا أنّي أعيش في أوهام ومثاليّات لا نفع فيها. بهدوء غير مكتمل ذكّرتُهُ بما يلي...
* أنا أمتهن التدريس، ولا أستطيع أن أكون طائفيًّا، ولا أريد. مهنتي/رسالتي والطائفيّة على طرفَيْ نقيض. هل ترضى، أنت المسيحيّ، أن يعلّم أبناءَك معلّمٌ مسلمٌ يميّز ضدّهم من منطلقات طائفيّة؟! ما لا أرضى عنه من غيري لا أقبل أن يصدر عنّي. لا تتوقّع منّي ولا تطلب أن أكون كمثلك!
* لا أسمح لنفسي بالازدواجيّة، بأن أكره سلوك الطائفيّين المسلمين وفي الآن نفسه أقبل سلوك الطائفيّين المسيحيّين أو أبرّره. لا أقبل أن أُدينَ الطائفيّة لدى غيري، وأن أتفهّمها لديَّ أنا. كيف لي أن أَسْتاء من الطائفيّين وأكون أنا نفسي طائفيًّا؟!
* لي معارف وجيران وطلبة وزملاء وأصحاب وأصدقاء إخوة أحبّاء أعزّاء من المسلمين يُعَدّون بالآلاف (ولستُ أبالغ)، في عـبـلّـيـن وفي خارجها، إضافةً إلى فنّانين ومفكّرين وسياسيّين مسلمين أقدرهم وأحبّهم. على الأقلّ بسبب هؤلاء، يا أخي، أخجل أن أكون طائفيًّا. ثمّة أسباب وأسباب، لكن هؤلاء الأعزّاء لوحدهم هم سبب كافٍ، بالنسبة إليَّ، كي لا يؤثّر فيَّ أيُّ كلام طائفيّ بصرف النظر عن الجهة التي صدر عنها.
* إنِ افترضنا أنّ معظم المسلمين طائفيّون حقًّا، فهل معنى هذا أنّ معظم مسيحيّينا ليسوا طائفيّين؟! أنا لا أشغل نفسي بأسئلة على غرار: أين منسوب الطائفيّة أعلى؛ لدى المسيحيّين أم لدى المسلمين؟ أيّ الطرفين هو البادئ في السلوك الطائفيّ أو "المبادر" أو "السبّاق"؟ بِـمَ يُجْدِينا نفعًا الانشغالُ بمثْل هذين السؤالين؟! لا ينبغي لنا أن ينشغل تفكيرنا بمسألة عبثيّة كهذه. مصلحة البلد تقتضي -في ما تقتضي- أن ننشغل بالسعي إلى مكافحة الطائفيّة.
الأجدر بالحريصين أن يعملوا على تعزيز وإشاعة ثقافة تدعو إلى الحرص على البلد واحتقار الطائفيّة ونبذها هي وكلّ مَن يدعو لها، ومَن يمتطي صهوتَها، ومن يبرّرها ويقبلها، وما ينبثق عنها. الأجدر تنبيه كلّ مَن نَعرفهم إلى أنّ انتخاب رئيس مجلس محلّـيّ من غير أبناء طائفتهم ما هو بكارثة ولا مأساة ولا مشكلة. هل من المفيد، أو من المعقول، أن نختزل المجلس المحلّـيّ في شخصيّة واحدة -مَهما عَلا شأنُها ومهما كانت درجة أهمّـيّتها؟!
مـا يـقـتـضـيـه الاحـتـرام والـغَـيْرة...
من الجدير بمواطن يحترم نفسه ويحبّ بلدته ويغار على مصلحتها أن يرفض أيَّ خطاب طائفيّ، وألاّ يقبل أن يخاطبه أيُّ مرشَّح انتخابات بنغمة طائفيّة يحاول من خلالها أن يستميله إليه ليحظى بصوته كي يفوز هو ("ابن الطائفة"!). كم سنكون مجتمَعًا محترَمًا، لو تمكّن المواطِن أن يفرض على المرشَّح احترامه، فيمتنع هذا الأخير عن أن يخاطبه خطابًا طائفيًّا! نريد لطائفيّة بلدنا، إن لم تُستأصَل، أن تكون طائفيّة خجولة متلعثمة لا طائفيّة وقحة!
يا لَـعارنا إن لم نرفض عدوّةَ بلدِنا الكريهةَ: الطائفيّة!
يا لَشرفنا المطعون إن لم نعلّم أبناءنا أنّ الطائفيّة نارٌ تَلتهم، لا نارٌ يُستدفَأ بها!
يا لَتقصيرنا إن لم نحاول إقناعهم أنّ مصلحة الوطن الصغير عـبـلّـيـن (والكبير كذلك) قبل مصلحة أيّ طائفة، بل أنّ مصلحة الطائفة من مصلحة البلد.
خـتـام كـلام
- الاستقطاب الطائفيّ في الانتخابات قد يخدم هذا المرشَّّحَ أو ذاك (أو هكذا يتراءى له أحيانًا)، لكنّه حالة مدمِّرة. الاستقطاب الطائفيّ حالة مدمِّرة للطوائف نفسها؛ مدمِّرة للبلد.
- الطائفيّة لا تخدم أيّ طائفة. الطائفيّة تخدم مَن يريد أن تكون طائفته خادمة له، أو مَطِـيّة له توصله إلى المنصب السامي (أو يراه هو ساميًا). وهو ذاته، إن كانت مصلحته الشخصيّة تتطلّب أن يقف "ضدّ طائفته" قولاً وعملاً، قد لا يتردّد في فعل ذلك. فهو صاحب غاية لا رسالة.
- رغم كلّ هذا الوضع القاتـم، بل بسببه... تحيّة من أعماق القلب إلى كلّ مَن سيعمل في هذه الأيّام لتصفية الأجواء وتنقيتها قدر مستطاعه.
- الانتخابات الحاليّة تمنّيتها فرصةً أخشى الآن أن تغدو فرصةً مضيَّعة. تمنّيتها فرصة لعـبـلّـيـن أن "تُعلِّم" أخواتِها كيف يكون الانتخاب دون اضطراب ودون استقطاب ودون اكتئاب. لطوائفنا ننتمي بطبيعة الحال، ومن الطبيعيّ كذلك أن نعتزّ بهذا الانتماء، لكن ليَكُنْ ذلك دون عداء ولا استعلاء تجاه أيّ طائفة أخرى، ودون نفْيٍ لحقّ الآخرين في أن يعتزّوا هم كذلك بطوائفهم.
من حقّنا أن نتنافس وأن نختلف، لكن من واجبنا أن نحافظ على البلد.
