في رحيل الكوكاني الفلسطيني الحاج أبو كرم حسين اسكندر خطيب

single

غيرت وبدلت مقالي الأسبوعي في "الاتحاد"، لأكتب كلمة، بل كلمات، ذكرى وذكريات وحكايا وحكايات، عن شخص بل أشخاص، فرد بل مجموعة من الناس، ربطتهم وحدة الهدف والمصير والتاريخ المشترك، عبر عشرات وعشرات من السنين والزمن سواء في قريتهم كويكات أو في مكان إقامتهم المؤقت وأبو سنان. هم مجموعة من أربعة أشخاص أو أكثر. حيث فقدت حارتنا وحينا في كرم الرجمة وأبو سنان وكفرياسيف عامة، بل وقرى الجليل الغربي قبل أيام قليلة رابعهم، رجلا من رجال كويكات الأفاضل من الجيل الثاني. انه أبو كرم حسين اسكندر خطيب عن عمر قارب التسعين عامًا. كوكاني المولد أبو سناني وكوكاني الرحيل والممات، كان العم والحاج أبو كرم إنسانًا شعبيًا ذكيًا بشوشًا صادقًا أمينًا ملقاه سعادة كريمًا إلى آخر الحدود، سموحًا عطوفًا رقيقًا وهب نفسه وحياته لمساندة وتقديم العون للآخرين من أهل بلده وجيرانه والمجتمع العربي عامة.
أبو كرم حسين علي اسكندر خطيب، واحد من أربعة رجال أشداء من الكواكنة وأكثر وهم طيبو الذكر ابو محمد توفيق حسين أبو سيخ وأبو طلال إبراهيم الحناوي وأبو باسم احمد الحناوي. كان هؤلاء مجموعة من مجموعات من أهل كويكات الذين شردتهم الحرب ونكبة شعبنا العربي الفلسطيني عن قريتهم المهجرة كويكات. وقد شاء القدر ان يتجاوروا على التراب الفلسطيني الكوكاني ذي التربة الحمراء. وان يتذوقوا مرارة الحرب والتشريد في مسيرة اللجوء القسرية مرورًا بالأردن وسوريا ولبنان ثم العودة إلى فلسطين والتشبث بتراب الوطن. ثم تجاوروا سوية فيما بعد في مكان إقامتهم المؤقت أبو سنان، وبالذات في الحي الشعبي العمالي كرم الرجمة، فكانوا خير دليل للجيرة والسيرة الحسنة.
واليوم وها قد تجاوروا سوية وأخيرا في الممات واستضافهم تراب الوطن في أحضانه وعيونهم وعقولهم لا تفارق عودتهم لبلدهم وتراب كويكات الغالي عليهم. انصرف ثلاثتهم، أبو محمد توفيق أبو سيخ وأبو باسم الحناوي وكذلك أبو طلال إبراهيم الحناوي منذ سنوات الخمسين من القرن الماضي إلى العمل وبيع قوة عملهم العضلية والجسمانية لشركات البناء والمقاولين اليهود الذين احتلوا الأرض والبلد والوطن، عملوا في فرع البناء لسنوات طويلة، كي يوفروا المأكل والملبس والكتاب لأولادهم وعائلاتهم. أما أبو كرم حسين اسكندر ذو الجسم الخفيف النحيف والممشوق القامة ذو الكوفية الفلسطينية البيضاء التي لم تفارق رأسه في يوم من الأيام، فقد انصرف للعمل في التجارة والزراعة بكل ما يستطيع من قوة وصلابة، مرة في بيع الخضراوات والفواكة أو في تربية المواشي. وكان يعشق الأرض والفلاحة والزراعة. كان والده علي اسكندر وعمته الحاجة صالحة يملكان مساحة لا بأس بها من ارض كويكات التي أحبوها وأحبها أبو كرم خلال كل مسيرة حياته الزاخرة بالمفاجآت والأحداث. وكما كان والده قد تعاقب على مركز المخترة بعد رحيل المختارين سليم الغضبان وخليل الابراهيم. كما كان أبو كرم إنسانًا عصاميًا في حياته إلى ابعد الحدود، مرح المعشر قاوم اليأس والإحباط، ولم يستسلم في يوم من الأيام.

  • من عرق جبينه


كان يحصِّل لأولاده وبناته وعائلته رغيف الخبز والأثواب والدفاتر من عرق جبينه. كانت عائلته كثيرة الأولاد مكونة من أربعة أبناء وسبع بنات وهو وزوجته مكونة من ثلاثة عشر نفرًا... وهكذا كان أربعتهم توفيق واحمد وإبراهيم، قد حاربوا حكام إسرائيل والصهيونية العالمية وليبرمان ابن اليوم واليمين الفاشي بتكاثر نسلهم وزيادة السكان العرب كرد على سياسة التهجير والتشريد سنة 1948 معتبرين ان القضية وطنية من الدرجة الأولى. وهي فعلا اليوم هكذا.
فأبو كرم حسين اسكندر هو واحد من أحد عشر أخًا وشقيقتين هما أم صالح فيرز طيب الله ثراها وأم حاتم فاطمة أمد الله في عمرها. لكنه الوحيد مع شقيقاته الذي بقي في ارض الوطن، لا ادري إذا كانت صدفة أم لا، بينما تشتت اخوته وعائلته في مخيمات الشتات واللجوء القسري في لبنان وسوريا والأردن ويسكن قسم منهم في الدنمارك وألمانيا والسويد وأمريكا واستراليا وغيرها. ولذا تعتبر عائلة اسكندر/ خطيب من العائلات الكوكانية العريقة والأصيلة المتمسكة بأرض الوطن إلى جانب آل غضبان وابريق وسنونو ومصطفى أبو سيخ. وقد وجد أبو كرم نفسه وحيد واخوته وعائلته في ارض الوطن لكنه قاوم حياة الوحدة والتشرد والغربة في البركسات وبيوت التنك والخيام على أمل العودة مع زملائه في مجموعة الأربعة وأكثر وعائلاتهم إلى قريتهم كويكات الغالية التي أحبوها وأحبتهم. كثيرة هي الصفات الأصيلة في شخص الحاج والعم أبو كرم حسين اسكندر، أقام مع جاره وزميله أبو محمد توفيق أبو سيخ علاقات حسنة الجوار والتعايش المشترك مع مواطنين يهود، كان ذلك في سنوات السبعين من القرن الماضي. حين تعايشوا مع عائلة يهودية من أصل إيراني في موشاف عبدون الذي يقع إلى الشمال من القرية الفلسطينية الكابري. حيث عملا معًا بالزراعة وبالأساس في زراعة التبغ. كانت عائلتا توفيق أبو سيخ وأبو كرم حسين اسكندر العربيتان الفلسطينيتان مع عائلة ياكوتي اليهودية الإيرانية، تكونان عائلة إنسانية واحدة. حيث قاما بتوثيق الروابط وعلاقات الحياة المشتركة والتعاون مع عائلات يهودية كثيرة في إطار وضمن علاقات الإنتاج والمعيشة المشتركة لسنوات عديدة من العمل المشترك في أشهر الصيف في موشاف عبدون القريب من الحدود اللبنانية. هذه العلاقات ما زالت تحافظ على قيمتها لغاية اليوم مع الأبناء والأحفاد جيلا وراء جيل أساسها التعاون والصداقة والاحترام المتبادل لدرجة الزيارات وتبادلها في الأعياد والمناسبات والأفراح والأتراح.
كما تميز أبو كرم بالخصال الرفيعة العالية، أحب الحياة مع جيرانه توفيق واحمد وإبراهيم وغيرهم من الجيل الأول أمثال أبو الفضل نمر العيسى وأبو صالح مصطفى  الغضبان وأبو محمد حسن وابو علي حسين أبو سيخ وأبو شحادة وغيرهم وهم كُثر. لذا أقام أبو كرم مضافة خاصة لاستقبال ضيوفه ومعارفه من أهل بلده على شاكلة ديوان أبو حاتم الكوكاني. كانت  مضافة أبو كرم تبدأ في ساعات العصر وبعد مغيب الشمس من اجل السهر ولعب ورق الشدة والحوار والنقاش في الأمور اليومية والحياتية السياسة والاقتصادية وغيرها. كانت تطرح وتدور ذكريات وحكايا من كبار السن المجربين أكثر حول أيام زمان وفترة العهد التركي والبريطاني لفلسطين وأيام سفربرلك والرجولة والنخوة وحب الضيف والعادات والتقاليد الأصيلة لشعب فلسطين وخاصة قرى ومدن الساحل وأهل كويكات خاصة. فكان أبو كرم رمزًا من رموز الديوان. كان رغم فقره يوفر لزواره كل وسائل الراحة وكرم الضيافة وحسن الاستقبال.

  • كان يمقت العنصريين والطائفيين

كان فقيدنا الغالي محبوبًا لدى الأكثرية الساحقة من أهالي بلدة كويكات وعمقا والبروة وكذلك اخواننا البدو من آل نعيم والسواعد. كذلك وبنفس القدر والمحبة من أهل أبو سنان وكفرياسيف وقرى المنطقة. فكان مثالا للصديق والأخ المخلص الذي يقدم خدماته ومساعدته وخبرته للناس دون مقابل. كان يشرف بنفسه على طبخ الأرز في الأفراح والمناسبات السعيدة للأكثرية الساحقة من أهل بلده وحارته وأصدقائه ومعارفه، كان يحرص دائمًا ان يكون إعداد طعام العرس من يديه لذيذًا ذا نكهة خاصة على قدر من المحبة والاحترام والتقدير لشخصه. كان يندفع لعمل الخير، للتضحية والعمل الجماعي مع الآخرين، كان يصر دائمًا على استضافة شعراء الزجل الشعبي الحداية إخواننا أبو غازي وأبو سعود وكذلك الريناوية والميعارية بعد الانتهاء من السهرة وتقديم ما لذ وطاب من مضافة أبو الكرم حسين اسكندر.
اعتاد أبو كرم كل يوم ان يجر حصانه وعربته مارًا في شوارع وأزقة أبو سنان وكفرياسيف وصولا إلى جديدة والمزرعة باحثًا عن لقمة عيشه. فكان يملك صوتًا جهوريًا رجوليًا مناديًا بأعلى صوت على بيع الخضروات والفواكه، حريصًا كل الحرص ان تكون بضاعته طازجة يوميًا وذات جودة ونوعية عالية. كانت أسعاره شعبية وأحيانًا كثيرة يدفع من جيبه، يكتفي بالربح القليل. لكن أبو كرم حسين اسكندر كان غنيًا بالإخلاص يحب الناس ومساعدتهم قولا وفعلا ولذلك امتاز بالكرم والتضحية. كان يمقت السماسرة والدجالين العنصريين والطائفيين لذلك تشعبت علاقاته مع جميع الطوائف والعائلات ومع كل أطياف المجتمع الكوكاني والابوسناني والعربي عامة بما فيها علاقاته مع العديد من المعارف والأصدقاء اليهود من موشافيم عمقا وعبدون وغيرهما.
كانت مجموعة الأربعة وأكثر حسين وتوفيق احمد وإبراهيم وأكثر في الصف والمعسكر الوطني والقومي لجماهير شعبنا الفلسطيني، داعمين مسيرة الكفاح والنضال للقوى الوطنية وفي مقدمتهم الجبهة والشيوعيون. كانت نشأتهم وطنية ومسيرتهم جبهوية شيوعية. لم يساوموا في يوم من الأيام على شبر من ارض بلدهم ولا على موقف من مواقفهم الثابتة والراسخة.. لذا كانت تربطهم وحدة الرأي والهدف والانتماء والمصير المشترك. كانت كويكات الوطن والأرض والهوية والشعب.
لهم جميعًا منا ألف تحية ولتبقَ ذكراهم خالدة في نفوس محبيهم وفي ضمير الشعب والأمة.
أما أنت يا أبا الكرم حسين اسكندر خطيب، فلتبقَ ذكراك وسيرتك ومسيرتك مصدر الهام للأجيال القادمة المتعاقبة جيلا بعد جيل.

 


(كويكات/أبوسنان)

قد يهمّكم أيضا..
featured

الرد العربي ما زال هزيلا!

featured

دعوة مفتوحة لوسائل الاعلام

featured

رافضة التّجنيد تَئير كَمينِر: الضّابط العسكري قال: لن تنتصري علينا، الجيش أقوى منكِ... لكن تهديده رفع معنويّاتي

featured

من الذي يمتلك العالم؟ (5)

featured

الشيخ "جوعان" لن يهتم بالأسرى المضربين عن الطعام

featured

تعديل فاشي على قانون عنصري

featured

عنصريون، أغبياء، وجهلة !