الشيخ "جوعان" لن يهتم بالأسرى المضربين عن الطعام

single

*في الوقت الذي يقف الأسير سامر العيساوي مناضلا عبر معدته المهترئة، ويواصل الإضراب عن الطعام، نقرأ ان الشيخ "جوعان" ابن أمير قطر وابن الشيخة موزة، يشتري السيارة الأغلى في العالم وثمنها 3,5 مليون دولار*


 
هناك مبدأ في علم العسكرية يقال له علم "وضوح الهدف" ومن مبادئه الحفاظ على الهدف. ولكي تحافظ على الهدف لا بد أن تعرفه، وأن تعرف الاتجاه الذي يؤدي إلى الهدف. وإسرائيل ما زالت تتمسك بالهدف الذي لا تحيد عنه: الإنسان الفلسطيني. فحين ينهار الإنسان سينهار كل شيء. ليس احتلال الأرض وإقامة المستوطنات وتغير المناهج وفرض الرواية الإسرائيلية ومسح التاريخ الفلسطيني والسيطرة وفرض منطق القوة هو الهدف فقط؛ هناك أهداف تمررها إسرائيل وتضعها نصب عينيها، مثل احتلال الذاكرة الفلسطينية بالكامل، وإغلاق منافذ القرار والتفاؤل بالمستقبل، وكسر الإرادة الشعبية والوطنية، وزج كل من يحاول خلق فكرة التحدي والمقاومة، وسجن كل من يشق الطرق التي تؤدي إلى رفع المعنويات ونبذ الواقع المستسلم.
الأسرى الفلسطينيون في السجون الإسرائيلية جزء من الهدف المرسوم، وهو زعزعة ثقتهم بأنفسهم وبالمستقبل، ووضعهم داخل طنجرة ضغط كبيرة، يضغطون فيها سنوات أعمارهم وآمالهم وأحلامهم وطموحهم، وتحويل عصير يأسهم وحَيرتهم إلى مواد سامة تسمم الرؤية الوطنية. فالسجن سنوات طويلة دون تحديد للسنوات، الانفرادي والاعتقال الإداري والتنكيل والتعذيب والحرمان، وعدم السماح لعائلاتهم بالزيارة الا بعد معاناة طويلة، عدا عن رؤيتهم فقط من خلف الزجاج وحرمانهم من لمس أحبائهم، هذه المعاناة التي أصبحت تاريخية ومعروفة على الصعيد الفلسطيني، والتي تم تجاهلها أثناء المفاوضات والاتفاقيات، لم تمنح الأسرى الا المزيد من التجاهل العربي. وكأن هذه الشريحة عليها أن تتحمل نتيجة أفعالها، فمن أجبرها على المقاومة والوقوف في وجه الاحتلال؟! وكأن التجاهل هو العقاب الذي يناله هؤلاء.
مشكلة الأسرى ليست مشكلة تخص العائلات الفلسطينية فقط، انها تخص المجتمع الفلسطيني، وخاصة السلطة الفلسطينية التي من واجبها حماية ورعاية هؤلاء وعائلاتهم ورفع راية الوجع إعلاميا ودوليا. لقد وجد الأسرى الفلسطينيون أنفسهم أمام جدران من اللا مبالاة، والغياب عن ذهن المسؤولين، يلوكون أوجاعهم وحدهم، يتألمون، يمسكون كل يوم، ويتغلغلون في عد السنوات التي لا تنتهي.
في هذه الأجواء القاسية التي تفرز انتظارا بائسا، أعلن بعض الأسرى الفلسطينيين الإضراب عن الطعام. والإضراب عن الطعام هو السلاح الوحيد الذي يملكه الأسير الفلسطيني لمواجهة وتحدي الظروف الصعبة وإيصال صوته المحاصر إلى العالم. وها هو الأسير الفلسطيني سامر العيساوي مضرب عن الطعام منذ سبعة أشهر، وقد وصلت حالته إلى حالة الخطر. وهناك من يرافقه الإضراب مثل الأسرى أيمن الشراونة، جعفر عز الدين، طارق قعدان وغيرهم. الصليب الأحمر يعلن أن ظروف الأسرى في السجون الإسرائيلية مزرية، وهناك العديد منهم يعانون من أمراض القلب والفشل الكلوي والسرطان. وفي خضم الجوع الذي ينخر الأجساد المرهقة، نجد أن موضوع الأسرى لم يأخذ الاهتمام الإعلامي والتضامن الفلسطيني. قد نجد هنا وهناك العائلات الجريحة التي ترافق مسيرة أبنائها الاسرى، أو بعض الأقلام التي نذرت نفسها للدفاع عن الحق الفلسطيني. لكن نبحث عن التضامن الفلسطيني العربي العالمي، ونبحث عن جمعيات حقوق الإنسان التي ترهلت لدرجة ذوبان الإنسان وبقاء كلمة الحقوق تبكي أمام عهر السياسة، فلا نجدها. فهل من المعقول أن تبقى قضية إضراب الأسرى تتردد في بعض غرف السلطة وبعض المسؤولين، الذين يحملون لواء الكلام عبر فضائيات تعلك الموضوع بسرعة..؟! هل من المعقول أن يموت هؤلاء الأسرى ببطء خلف القضبان دون أن تتحرك الرئاسة الفلسطينية، وتثير الموضوع على صعيد عربي وعالمي بشكل حاسم وحازم؟! إثارة قضية الأسرى هامة بقدر ما هي قضية المصالحة، لأن الأسرى هم من شقوا ويشقون طرق المقاومة والبقاء على طريق المواجهة، وهم من يحفرون آخر خنادق الاعتزاز في زمن سلمت فيها المقاومة كامل عتادها.
لم تلق حياة الأسير الفلسطيني سامر العيساوي أي اهتمام من الفضائيات العربية والعالمية. وقد يقول قائل ان الأنظمة العربية التي تعيش على فوهات البراكين لن تهتم بقضايا الأسرى الفلسطينيين التي تعتبر صغيرة. لكن عندما نجد هذه الأنظمة تنحني وتقدم الولاء للسفارات الغربية ولدولها، التي وجدت حتى في الربيع العربي مجالا لزيادة قطف محاصيل الخنوع، يصيبنا الذهول.
حياة الأسرى هي تحت المسؤولية الإسرائيلية، قالها بعض القادة الفلسطينيين. والسؤال: هل يكفي أن يلقي هؤلاء القادة الأمر على عاتق إسرائيل؟! وهل إسرائيل ستهتم إذا مات سامر أو غيره؟! ان رفع قضية الأسرى هي المهمة الأولى للسلطة الفلسطينية أمام الدول العربية ودول العالم، وقرع جميع الأبواب الدبلوماسية، إذ أن الاهتمام بقضيتهم سيغير المقولة التي تنتشر في المجتمع الفلسطيني "أنا مالي"، التي تتفشى بسرعة الهشيم. لقد أصبحت المقاومة نوعا من العار، و"شو دخلنا" و"إحنا مالنا" و"الصغار بقعوا في السياج والكبار بقعوا في العسل" و"كل واحد يحافظ على أولاده لأنو لما بقع الابن ما فيش غير أهله بتغلبوا".. الخ.
في الوقت الذي يقف الأسير سامر العيساوي مناضلا عبر معدته المهترئة، ويواصل الإضراب عن الطعام، نقرأ ان الشيخ "جوعان" ابن أمير قطر وابن الشيخة موزة، يشتري السيارة الأغلى في العالم ثمنها 3,5 مليون دولار. أخبار الشيخ "جوعان" تسيطر على أجواء الرفاهية، وتميط اللثام عن واقع عربي مزرٍ، عبثي صورة ملطخة، صور الشيخ "جوعان" مع سيارته الفارهة، وصورة الأسير سامر، الشاحب، الضعيف على الكرسي المتحرك. شتان بين الشابين، هل نعتبر "الجوعان" القطري من شعب يغرق و"الجوعان" الفلسطيني من شعب ينهض.. ؟!!

قد يهمّكم أيضا..
featured

لائحة اتهام أمريكية لحلفائها!

featured

لصدّ حثالات "تدفيع الثمن"!

featured

لمواجهة سياسات حوادث الطرق

featured

مِن عبَر المجزرة

featured

الفكر الماركسي اللينيني والموقف من الصهيونية

featured

السلام محبة جميلة

featured

التحدي هائل- واجبنا مواجهته!

featured

تآكل في نوعية وعمق القرابة