لن تهدأ أصداء القنبلة التي ألقاها نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن سريعًا. فمن الصعب تجاوز تصريح بهذا المستوى عن أن عددًا من حلفاء واشنطن وبينهم دول خليجية وتركيا دعمت بالمال والسلاح كل من كان مستعدًا لمحاربة الحكومة السورية، وبينها مجموعات مسلحة ارهابية.
هذا التصريح لم يحمل جديدًا لكثيرين من أصحاب الأبصار والبصائر من حيث مضمونه.. لكن أن يخرج عن المسؤول الأمريكي رقم (2) فهذا جديد وهام ويجب التركيز عليه بالتحليل وبالتذكير الدائم! وعلى الرغم من مسارعة بايدن الى "جبر خواطر" حلفائه، فقد أجمع مراقبون كثر بمن فيهم الغربيون أن هذه "التوضيحات" لم تشمل بالمرة نفيًا للاتهامات الصريحة التي أطلقها بايدن.
كذلك، بالتزامن، كشفت وثائق نشرتها صحيفة "دايلي تلغراف" البريطانية تورط عشرين قطريا في تمويل الإرهاب. عشرةٌ منهم كانوا قد أدرجوا على لائحتي الارهاب البريطانية والاميركية. وبحسب الصحيفة البريطانية فإن "الامارة الصغيرة" تفوقت على السعودية في دعم الارهاب وتمويله في سوريا والعراق وعلى رأسه تنظيم داعش. وبطبيعة الحال فإن مصدر هذه الوثائق هو أجهزة رسمية واستخباراتية في واشنطن ولندن قامت بتسريبها للصحيفة.
بعض المحللين رأوا أن التصريح الامريكي جاء محسوبًا ومبرمجًا ولا يعقل اعتباره "زلة لسان". لا توجد زلات لسان بهذا الحجم، خصوصًا أن الكلام جاء ردًا مفصلا على سؤال طُرح على نائب أوباما في جامعة هارفارد المرموقة!
هناك عدد من التفسيرات لهذا، منها أن واشنطن تحاول حرف الشبهات عن ضلوعها في ترك مرتزقة الارهاب يسرحون ويمرحون ويتموّلون ويتسلّحون من جهات لا تتحرك شبرًا دون ضوء أخضر منها! كذلك، قد يرتبط التصريح باعلان نوايا أمريكي عن نهاية "اللعب المنفرد" لأعوانها في الملعب الاقليمي الشرق اوسطي، وأنها قيد استعادة جميع الأوراق لنفسها.
هذه النقطة الأخيرة ترتبط بل تدعم وتعزّز التحليلات والمواقف التي تؤكد أن واشنطن ألّفت تحالفها بدعوى محاربة داعش، ضمن جز تحرّك استراتيجي كبير لإعادة احكام سيطرتها في المنطقة، بعد أن منيت بالفشل تلو الفشل بفعل توجهها المتغطرس التوسعي والامبريالي بجوهره وبتفاصيله.
ولكن سيكون من السّخف طبعًا اعتبار ان مجرّد محاولة ترتيب الأوراق الأمريكي هذه هي نهاية للمخاض في المنطقة.. فمنذ زمن لم تعد واشنطن الآمر الناهي، وقد أفرزت بسياساتها اعداء وخصومًا لها "من جميع الألوان"! وهذا بالاضافة الى القوى الراسخة والصاعدة معها، والتي لا ترفض هيمنة واشنطن في الشرق الأوسط فقط، بل في العديد من بقاع العالم الساخنة!